يزيد تجرّأ على الله في كربلاء ..
مقالات
يزيد تجرّأ على الله في كربلاء ..
عباس المعلم
17 حزيران 2026 , 16:08 م

لم تكن كربلاء واقعةً عسكريةً عابرة في سجل الحروب، ولا نزاعاً سياسياً على سلطانٍ أو ولاية، بل كانت المفصل الأخطر في تاريخ الصراع بين الحق والباطل، واللحظة التي تجردت فيها النفوس من أقنعتها، فانقسم الناس إلى معسكرين لا ثالث لهما: معسكرٍ حمل نور الرسالة وإن قلّ عدده، ومعسكرٍ حمل سطوة الملك وإن تضخمت جيوشه.

ومن يقرأ كربلاء بعين البصيرة لا بعين الرواية المجردة، يدرك أن الحسين بن علي عليه السلام لم يكن يواجه جيشاً فحسب، بل كان يواجه منظومةً متكاملة من الاستبداد والتضليل والترويض والإرهاب المنظم. فقد حشدت الدولة الأموية كل ما تملك من أسباب القوة؛ من الجند والسلاح والمال، إلى المنابر المأجورة، والذمم المشتراة، والشائعات المصنوعة، والخوف المزروع في قلوب الناس.

لقد أُطبق الحصار على الحسين من كل الجهات؛ حصارٌ عسكري يقطع الماء، وحصارٌ إعلامي يزوّر الوعي، وحصارٌ اجتماعي يجرّم الانحياز إلى الحق، وحصارٌ سياسي يجعل من الخضوع فضيلة ومن الصمت حكمة ومن الذل نجاة.

ومع ذلك، لم يكن يزيد يخشى سيوف الحسين.

فالحسابات العسكرية يومذاك كانت محسومة في ظاهرها. عشرات الآلاف من المقاتلين المدججين بالسلاح يطوقون ثلةً مؤمنة من أهل بيت النبوة وأصحابهم. لم يكن هناك في ميزان القوة المادية ما يدعو يزيد إلى الخوف أو القلق.

لكن ما كان يؤرقه حقاً شيء آخر.كان يخشى الحقيقة.

كان يخشى أن يقف الحسين بين الناس.

كان يخشى أن يرى أهل الكوفة والشام والحجاز وجه رسول الله في وجه سبطه، وأن يسمعوا في منطقه صدى الوحي، وأن يكتشفوا أن الإسلام الذي يحكم باسمه بنو أمية لم يعد يشبه الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

كان يعلم أن حضور الحسين بين الناس أخطر على عرشه من ألف جيش، وأن كلمةً واحدة تخرج من فم ابن علي وفاطمة كفيلة بأن تهز أركان دولة كاملة شُيّدت على الخوف والتضليل.

ولهذا كان المطلوب منع الحسين من الوصول إلى الناس قبل منعه من القتال، وعزله عن الأمة قبل عزله عن الماء، ومحاصرة صوته قبل محاصرة جسده.

هنا تكمن حقيقة كربلاء.

فلم يكن يزيد يخشى أبناء الصحابة ولا أبناء زعماء القبائل ولا كبار القوم في الشام والعراق والحجاز، بل كان يخشى رجلاً واحداً اسمه الحسين.

لأن الحسين لم يكن شخصاً عادياً في حسابات التاريخ، بل كان الامتداد الحي لبيت النبوة، والشاهد الأصدق على الإسلام المحمدي الأصيل، والحجة القائمة على الأمة في زمانه.

ومن هنا فإن معركة يزيد مع الحسين لم تكن معركةً مع رجل، بل معركة مع المعنى الذي يحمله ذلك الرجل.

كانت معركةً مع الرسالة في امتدادها.ومع القرآن في منطقه.ومع العدالة في صورتها.ومع الحق في تجليه.

ولهذا لم يكن استهداف الحسين جريمة سياسية فحسب، بل كان ذروة التمرد على المقدس، وذروة الجرأة على الله سبحانه وتعالى.

فحين رفعت السيوف على صدر الحسين، لم تكن تستهدف جسداً أعزل، بل كانت تستهدف آخر الامتداد الظاهر لبيت النبوة الذي أراد الطغيان اقتلاعه من وجدان الأمة وتاريخها ومستقبلها.

ولذلك جاءت كلمات يزيد بعد الواقعة لتكشف ما حاولت السيوف إخفاءه. فلم تكن عباراته الشهيرة مجرد نشوة منتصر، بل إعلاناً صريحاً عن حقيقة المشروع الذي حمله؛ مشروع الانتقام من الرسالة لا خدمتها، والثأر من النبوة لا حمايتها، والاعتراض على الوحي لا الانتماء إليه.

ومن هنا بقي الحسين حاضراً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، بينما تلاشى ملك يزيد وتحول إلى لعنةٍ تاريخية تلاحق اسمه كلما ذُكرت كربلاء.

ذلك أن الدم الذي سُفك في الطف لم يتحول إلى ذكرى، بل إلى معيار.

معيار يُعرف به الحق من الباطل، والكرامة من المذلة، والحرية من العبودية.

ولهذا لم تنتهِ كربلاء يوم عاشوراء.

إنها تتجدد كلما قامت سلطةٌ متجبرة تبني سلطانها فوق جماجم الأبرياء، وكلما تحالف المال مع السيف لتزييف الوعي، وكلما أُريد للناس أن يبيعوا ضمائرهم مقابل الأمن الوهمي أو المنصب العابر أو المكسب الزائل.

وإذا كان يزيد الأمس قد حاصر الحسين بجيوش الشام وأموال بني أمية ومنابر وعاظ السلاطين، فإن يزيد العصر يحاصر المقاومين والأحرار بإمبراطوريات المال والنفط والإعلام والتكنولوجيا وشبكات النفوذ الممتدة على مساحة العالم.

اليوم تتبدل الأسماء وتبقى الحقائق واحدة.

فالسيف أصبح صاروخاً، والمنبر أصبح شاشة، والرشوة أصبحت مشروعاً سياسياً، وشراء الذمم تحول إلى صناعة عابرة للحدود، بينما تتصدر الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما منظومات الهيمنة العالمية مشهداً يعاد فيه إنتاج أدوات كربلاء بأشكال أكثر تعقيداً واتساعاً.

وما زال هناك من يطالب الأحرار بالاستسلام تحت عناوين الواقعية السياسية، ومن يساوم على الكرامة باسم الاستقرار، وعلى الحق باسم المصالح، وعلى الأوطان باسم التسويات.

وفي المقابل، ما زال هناك رجال يحملون شيئاً من روح الحسين، يقفون في مواجهة أعتى قوى الأرض وهم يدركون اختلال موازين القوة المادية، لكنهم يرفضون أن تتحول الحقيقة إلى سلعة، أو أن يصبح الخضوع عقيدة، أو أن يُكتب مستقبل الأمم بأقلام الطغاة وتجار الدماء.

ولهذا فإن كربلاء ليست حادثةً من الماضي، بل قانوناً جارياً في حركة التاريخ.فكل طاغية يحمل شيئاً من يزيد.

وكل مقاوم صادق يحمل شيئاً من الحسين.

وكل زمن يُمتحن بالسؤال ذاته الذي ارتفع من فوق رمال الطف قبل قرون: هل يكون الانحياز إلى العرش أم إلى الحق؟ إلى القوة أم إلى العدالة؟ إلى الذهب أم إلى الكرامة؟

أما الحسين، فقد تجاوز حدود الزمان والمكان ليصبح مدرسةً خالدة للأحرار.

فالطغاة قد يملكون الأرض ردحاً من الزمن، لكنهم لا يملكون التاريخ.

وقد يملكون الجيوش والخزائن والمنابر، لكنهم لا يملكون الضمير.

أما الحسين فقد ارتقى في الطف شهيداً وبقي حياً في وجدان الإنسانية، حتى صار دمه نهراً من الوعي لا ينضب، وكلما تعاظمت عروش الاستكبار والهيمنة في هذا العالم، عاد ذلك الدم ليذكرها بالحقيقة الكبرى التي خطتها كربلاء للأبد:

أن سلطان القوة إلى زوال، وأن سلطان الحق إلى بقاء، وأن الدم الطاهر إذا سُفك في سبيل الله لا يُهزم ولا يغيب، بل يتحول مع الزمن إلى لعنةٍ تطارد الظالمين ونورٍ يهدي الأحرار إلى طريق الكرامة والحرية واليقين.

عباس المعلم

كاتب سياس

لم تكن كربلاء واقعةً عسكريةً عابرة في سجل الحروب، ولا نزاعاً سياسياً على سلطانٍ أو ولاية، بل كانت المفصل الأخطر في تاريخ الصراع بين الحق والباطل، واللحظة التي تجردت فيها النفوس من أقنعتها، فانقسم الناس إلى معسكرين لا ثالث لهما: معسكرٍ حمل نور الرسالة وإن قلّ عدده، ومعسكرٍ حمل سطوة الملك وإن تضخمت جيوشه.

ومن يقرأ كربلاء بعين البصيرة لا بعين الرواية المجردة، يدرك أن الحسين بن علي عليه السلام لم يكن يواجه جيشاً فحسب، بل كان يواجه منظومةً متكاملة من الاستبداد والتضليل والترويض والإرهاب المنظم. فقد حشدت الدولة الأموية كل ما تملك من أسباب القوة؛ من الجند والسلاح والمال، إلى المنابر المأجورة، والذمم المشتراة، والشائعات المصنوعة، والخوف المزروع في قلوب الناس.

لقد أُطبق الحصار على الحسين من كل الجهات؛ حصارٌ عسكري يقطع الماء، وحصارٌ إعلامي يزوّر الوعي، وحصارٌ اجتماعي يجرّم الانحياز إلى الحق، وحصارٌ سياسي يجعل من الخضوع فضيلة ومن الصمت حكمة ومن الذل نجاة.

ومع ذلك، لم يكن يزيد يخشى سيوف الحسين.

فالحسابات العسكرية يومذاك كانت محسومة في ظاهرها. عشرات الآلاف من المقاتلين المدججين بالسلاح يطوقون ثلةً مؤمنة من أهل بيت النبوة وأصحابهم. لم يكن هناك في ميزان القوة المادية ما يدعو يزيد إلى الخوف أو القلق.

لكن ما كان يؤرقه حقاً شيء آخر.كان يخشى الحقيقة.

كان يخشى أن يقف الحسين بين الناس.

كان يخشى أن يرى أهل الكوفة والشام والحجاز وجه رسول الله في وجه سبطه، وأن يسمعوا في منطقه صدى الوحي، وأن يكتشفوا أن الإسلام الذي يحكم باسمه بنو أمية لم يعد يشبه الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

كان يعلم أن حضور الحسين بين الناس أخطر على عرشه من ألف جيش، وأن كلمةً واحدة تخرج من فم ابن علي وفاطمة كفيلة بأن تهز أركان دولة كاملة شُيّدت على الخوف والتضليل.

ولهذا كان المطلوب منع الحسين من الوصول إلى الناس قبل منعه من القتال، وعزله عن الأمة قبل عزله عن الماء، ومحاصرة صوته قبل محاصرة جسده.

هنا تكمن حقيقة كربلاء.

فلم يكن يزيد يخشى أبناء الصحابة ولا أبناء زعماء القبائل ولا كبار القوم في الشام والعراق والحجاز، بل كان يخشى رجلاً واحداً اسمه الحسين.

لأن الحسين لم يكن شخصاً عادياً في حسابات التاريخ، بل كان الامتداد الحي لبيت النبوة، والشاهد الأصدق على الإسلام المحمدي الأصيل، والحجة القائمة على الأمة في زمانه.

ومن هنا فإن معركة يزيد مع الحسين لم تكن معركةً مع رجل، بل معركة مع المعنى الذي يحمله ذلك الرجل.

كانت معركةً مع الرسالة في امتدادها.ومع القرآن في منطقه.ومع العدالة في صورتها.ومع الحق في تجليه.

ولهذا لم يكن استهداف الحسين جريمة سياسية فحسب، بل كان ذروة التمرد على المقدس، وذروة الجرأة على الله سبحانه وتعالى.

فحين رفعت السيوف على صدر الحسين، لم تكن تستهدف جسداً أعزل، بل كانت تستهدف آخر الامتداد الظاهر لبيت النبوة الذي أراد الطغيان اقتلاعه من وجدان الأمة وتاريخها ومستقبلها.

ولذلك جاءت كلمات يزيد بعد الواقعة لتكشف ما حاولت السيوف إخفاءه. فلم تكن عباراته الشهيرة مجرد نشوة منتصر، بل إعلاناً صريحاً عن حقيقة المشروع الذي حمله؛ مشروع الانتقام من الرسالة لا خدمتها، والثأر من النبوة لا حمايتها، والاعتراض على الوحي لا الانتماء إليه.

ومن هنا بقي الحسين حاضراً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، بينما تلاشى ملك يزيد وتحول إلى لعنةٍ تاريخية تلاحق اسمه كلما ذُكرت كربلاء.

ذلك أن الدم الذي سُفك في الطف لم يتحول إلى ذكرى، بل إلى معيار.

معيار يُعرف به الحق من الباطل، والكرامة من المذلة، والحرية من العبودية.

ولهذا لم تنتهِ كربلاء يوم عاشوراء.

إنها تتجدد كلما قامت سلطةٌ متجبرة تبني سلطانها فوق جماجم الأبرياء، وكلما تحالف المال مع السيف لتزييف الوعي، وكلما أُريد للناس أن يبيعوا ضمائرهم مقابل الأمن الوهمي أو المنصب العابر أو المكسب الزائل.

وإذا كان يزيد الأمس قد حاصر الحسين بجيوش الشام وأموال بني أمية ومنابر وعاظ السلاطين، فإن يزيد العصر يحاصر المقاومين والأحرار بإمبراطوريات المال والنفط والإعلام والتكنولوجيا وشبكات النفوذ الممتدة على مساحة العالم.

اليوم تتبدل الأسماء وتبقى الحقائق واحدة.

فالسيف أصبح صاروخاً، والمنبر أصبح شاشة، والرشوة أصبحت مشروعاً سياسياً، وشراء الذمم تحول إلى صناعة عابرة للحدود، بينما تتصدر الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما منظومات الهيمنة العالمية مشهداً يعاد فيه إنتاج أدوات كربلاء بأشكال أكثر تعقيداً واتساعاً.

وما زال هناك من يطالب الأحرار بالاستسلام تحت عناوين الواقعية السياسية، ومن يساوم على الكرامة باسم الاستقرار، وعلى الحق باسم المصالح، وعلى الأوطان باسم التسويات.

وفي المقابل، ما زال هناك رجال يحملون شيئاً من روح الحسين، يقفون في مواجهة أعتى قوى الأرض وهم يدركون اختلال موازين القوة المادية، لكنهم يرفضون أن تتحول الحقيقة إلى سلعة، أو أن يصبح الخضوع عقيدة، أو أن يُكتب مستقبل الأمم بأقلام الطغاة وتجار الدماء.

ولهذا فإن كربلاء ليست حادثةً من الماضي، بل قانوناً جارياً في حركة التاريخ.فكل طاغية يحمل شيئاً من يزيد.

وكل مقاوم صادق يحمل شيئاً من الحسين.

وكل زمن يُمتحن بالسؤال ذاته الذي ارتفع من فوق رمال الطف قبل قرون: هل يكون الانحياز إلى العرش أم إلى الحق؟ إلى القوة أم إلى العدالة؟ إلى الذهب أم إلى الكرامة؟

أما الحسين، فقد تجاوز حدود الزمان والمكان ليصبح مدرسةً خالدة للأحرار.

فالطغاة قد يملكون الأرض ردحاً من الزمن، لكنهم لا يملكون التاريخ.

وقد يملكون الجيوش والخزائن والمنابر، لكنهم لا يملكون الضمير.

أما الحسين فقد ارتقى في الطف شهيداً وبقي حياً في وجدان الإنسانية، حتى صار دمه نهراً من الوعي لا ينضب، وكلما تعاظمت عروش الاستكبار والهيمنة في هذا العالم، عاد ذلك الدم ليذكرها بالحقيقة الكبرى التي خطتها كربلاء للأبد:

أن سلطان القوة إلى زوال، وأن سلطان الحق إلى بقاء، وأن الدم الطاهر إذا سُفك في سبيل الله لا يُهزم ولا يغيب، بل يتحول مع الزمن إلى لعنةٍ تطارد الظالمين ونورٍ يهدي الأحرار إلى طريق الكرامة والحرية واليقين.

عباس المعلم

كاتب سياسي

الأكثر قراءة أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
أنشودة يا إمامَ الرسلِ يا سندي, إنشاد صباح فخري
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً