عبد الحميد كناكري خوجة: رباعية الأخبار: الموسومة والمسموعة والمرسومة...والمسمومة.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: رباعية الأخبار: الموسومة والمسموعة والمرسومة...والمسمومة.

” تشريح لرواية التضليل وهندسة الرواية المصنوعة؛ حين تستبدل الحقيقة بالسرديات المفبركة، ويغتال الخبر في محراب الانحياز؛ وتستباح الوقائع تحت وطأة صناعة الروايات وتشويه السمعة."

في زمن لم تعد فيه الكلمة مجرد ناقل للوقائع، بل غدت ميدانا تتصارع داخله السرديات، وتتجاذبه الحسابات الجيوسياسية، وتتنازع على تشكيل الوعي مراكز النفوذ، برزت منصات ومحطات ومنابر إعلامية يشار إليها بأصابع الاتهام بتغليب الانتقاء على الانصاف، والتأويل على التوثيق، والتوجيه على التبيين. وفي المقابل، يرى معظم المتابعين لهذا الشأن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتعرض لحملات تشويه متواصلة بسبب تمسكها بخياراتها السيادية ورفضها الإملاءات الخارجية. وبين روايات متقابلة، يغدو التمييز بين الخبر والدعاية، وبين الحقيقة والإنطباع، امتحانا للعقل قبل أن يكون اختبارا للإعلام. ومن هنا تنبع ضرورة مساءلة الخطاب الإعلامي، وقراءة آلياته، وتمحيص مضامينه، وكشف مواطن الانحياز كلما حضرت، بعيدا عن التعميم، واقترابا من ميزان النقد والحجة والبرهان.

لقد أفضت التحولات المتسارعة في المشهد الاتصالي إلى بروز فضاء تتشابك داخله الاعتبارات السياسية مع الرسائل الإعلامية، حتى غد الخبر، في كثير من الأحيان، ساحة للتنافس على صياغة الإدراك الجمعي أكثر من كونه مجرد نقل للوقائع. وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن جزءا من التغطيات المتعلقة بها يعكس انتقاء للوقائع وإبرازا لما يخدم سرديات بعينها، مع إغفال معطيات أخرى يعتقدون أنها ضرورية لفهم الصورة كاملة. ومن هذا المنظور، يعتبر تمسك طهران باستقلال قرارها، وإصرارها على حماية سيادتها ومصالحها الوطنية، أسهما في جعلها محور جدل سياسي وإعلامي واسع. وفي المقابل، تعتبر مواقفها تجاه قضايا الإقليم تنطلق من رؤية ترتكز على رفض الهيمنة الخارجية والدفاع عن مفهوم السيادة. وهكذا، يصبح النقد الرصين للإعلام ضرورة لا لمناصرة طرف بعينه، بل لاختبار صدقية الروايات ووزنها بميزان الدليل، وتمييز الخبر المهني عن الرسالة الدعائية، بما يعزز حق القارئ في الإطلاع على رؤيا متعددة للحدث قبل تكوين موقفه.

ولئن تعددت المنابر، وتباينت الروايات، فإن الحقيقة لا تستمد سلطانها من كثرة مروجيها، بل من رسوخ أدلتها، واتساق شواهدها، وقدرتها على الصمود أمام محك النقد والتمحيص، بعيد عن التهويل والانحياز.

وفي المحصلة، لا تقاس قيمة الرسالة الإعلامية بضجيج العناوين، ولا بكثافة التكرار، وإنما لصدقها ونزاهتها، وتوازنها، وقدرتها على الصمود أمام التمحيص والبرهان. فحين تستباح المهنية، ويستبدل التحقيق بالتحريض، والتوثيق بالتلفيق، تتراجع رسالة الإعلام من منارة للإستنارة إلى أداة للصراع على الوعي. ومن هنا، تبقى مسؤولية القارئ والباحث والمثقف أن يخضع كل رواية لميزان العقل والنقد، وألا يستسلم لسطوة الإنطباعات الجاهزة. وهكذا تعود بنا الرحلة إلى « رباعية الأخبار: الموسومة والمسموعة والمرسومة والمسمومة.» حيث لا يكون الانتصار للحقيقة بالشعارات، بل بالبرهان، ولا تهزم الأكاذيب بكثرة الأصوات، وإنما بقوة الدليل ونزاهة الكلمة.

كاتب دمشقي حر، وفنان وطني شامل.