✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لاشك ان رسالة قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، بمناسبة أسبوع السلطة القضائية وذكرى استشهاد آية الله السيد بهشتي ورفاقه،جاءت لتؤكد أن ثورة الإمام الحسين عليه السلام ليست حدثًا تاريخيًا انتهى، وإنما مشروع عدالة مستمر، ومنهج حكم، وأساس لبناء الدولة والمجتمع.
لقد افتتح قائد الثورة رسالته بالتعزية للأمة الإسلامية في مصاب الإمام الحسين عليه السلام، مؤكدًا أن النهضة الحسينية بلغت القمة في مواجهة الظلم والطغيان، وأن دم الحسين هو "دم الله"الذي لا يزال يجري في عروق الأحرار، فيبعث فيهم روح المقاومة والثبات والانتصار.
وهي إشارة عميقة إلى أن الثورة الإسلامية في إيران ليست منفصلة عن عاشوراء، وإنما امتداد عملي لذلك المشروع الإلهي والولاء الذي يرفض الخضوع للطغاة.
وفي استحضاره لذكرى استشهاد آية الله الدكتور بهشتي ورفاقه، يربط السيد الخامنئي بين تضحيات قادة الثورة الإسلامية وتضحيات الإمام الحسين عليه السلام، فالشهادة في سبيل إقامة العدل وصيانة الأمة هي الامتداد الطبيعي لمدرسة كربلاء، ولذلك بقيت دماء الشهداء منارات تهدي الشعوب إلى طريق الحرية والاستقلال.
وتبرز الرسالة مفهومًا بالغ الأهمية، وهو أن السلطة القضائية ليست جهازًا إداريًا فحسب، لكنها الحارس الأول لحقوق الشعب، وحصن العدالة، وسلاح الدولة في مواجهة الفساد والظلم.
فالنجاح الحقيقي للقضاء لا يقاس بكثرة القوانين، وإنما بقدرته على حماية المظلوم، وردع الظالم، وإقامة الحق دون تمييز أو محاباة.
ولذلك شددت الرسالة على ضرورة أن يتحول الإصلاح القضائي من شعارات وخطط مكتوبة إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية، من خلال سرعة الفصل في القضايا، ومكافحة الفساد بلا استثناء، ومنع أي نفوذ أو وساطة أو محسوبية داخل المؤسسات القضائية، حتى يشعر الجميع أن العدالة فوق الجميع، وأن القانون لا يفرق بين قوي وضعيف.
كما وسّعت الرسالة مفهوم الحقوق، فلم تحصره في القضايا الفردية، إنما شمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وحق المواطنين في الفرص العادلة، والأمن، والإدارة الكفؤة، باعتبار أن العدالة الشاملة هي الأساس الحقيقي لاستقرار الدول ونهضتها.
ومن أبرز مضامين الرسالة تأكيدها أن الجرائم التي ارتكبتها العدو الصهيو امريكي بحق الشعب الإيراني خلال عامي 2025 و2026 لن تسقط بالتقادم، وأن الواجب الوطني والقانوني يقتضي إعداد الملفات الحقوقية، وملاحقة المسؤولين عنها أمام القضاء الوطني والدولي، مستندين إلى اعترافات قادة العدو أنفسهم الذين تفاخروا بجرائمهم، وهو ما يمثل -وفق القواعد القانونية- دليلًا مهمًا لإثبات المسؤولية الجنائية.
وهنا تتجلى رؤية استراتيجية؛ فالمعركة ليست عسكرية فقط، فهي قانونية أيضًا، والعدالة الدولية يجب ألا تبقى رهينة الهيمنة الغربية، وينبغي تحويل القانون إلى أداة لمحاسبة المجرمين، وفضح انتهاكاتهم، ومنع تكرارها بحق الشعوب المستضعفة.
وتختتم الرسالة بالتأكيد أن طريق العدالة ليس طريقًا سهلًا، وإنما يحتاج إلى الإخلاص لله، والتقوى، والإرادة الصلبة، والشجاعة، والعمل الدؤوب، والاستفادة من التقنيات الحديثة والإدارة الذكية، حتى تصبح مؤسسات الدولة أكثر قدرة على خدمة الناس وتحقيق الإنصاف.
إن هذه الرسالة تتجاوز حدود المناسبة، لتقدم رؤية متكاملة لدولة العدل التي أرادها الإمام الحسين عليه السلام، والتي تقوم على حماية الإنسان، وصيانة الحقوق، ومواجهة الفساد، والتصدي للمستكبرين، وعدم التفريط بدماء الشهداء.
بالتالي فإن الرسالة أتت لتؤكدأن عاشوراء ليست ذكرى للبكاء فقط،وإنما كانت وما تزال مدرسة لبناء الإنسان والدولة، وأن محور الجهاد والمقاومة المتمسك بالإمام الحسين سيبقى عصيًا على الانكسار، قادرًا على الإنتصار،مهما تكالبت عليه قُوى الظلم والاستكبار، فالحسين عليه السلام خرج لإقامة الحق وإبطال الباطل،وهي المسؤولية التي لا تزال قائمة على عاتق قادة الأحرار في كل زمان.