حتى بعض كبار المحلّلين والمسؤولين "الإسرائيليين" لم يخفوا دهشتهم إزاء قبول لبنان الرسمي بهذا الإتفاق. يعلّق المفاوض "الاسرائيلي" السابق في ملف "السلام" دانيال ليفي قائلاً: "أكاد لا أصدّق ما قرأته بشأن اتفاق الإطار مع لبنان. حتى إيران تفاوضت مع أميركا على فرض شروط لصالح لبنان أفضل بكثير مما تفاوض عليه لبنان لنفسه"!
ومع كلّ المخاطر التي تضمّنها هذا الاتفاق على سيادة البلد وسلمه الأهلي، وشرعنة الاحتلال إلى أجل غير معروف، ومنح "إسرائيل" حرّية العمل العسكري، ومنع الجنوبيين من العودة إلى قراهم وأرزاقهم، بل حتى منعهم من مقاضاة "إسرائيل" أمام المحاكم الدولية..
يكشف الإعلام العبري، عن "ملحق أمني سرّي" لم يخرج إلى العلن بطلب من حكومة لبنان! بعد أن أماطت "هيئة البثّ الإسرائيلية" اللثام عن هذا الملحق السرّي، عادت القناة 12 العبريّة أمس الأحد لتؤكّد المؤكد: "أحد بنود هذا الملحق ينصّ على تشكيل لجنة عمل مشتركة، مهمتها مواجهة حزب الله وملاحقة أنفاقه وتدمير بنيته العسكرية.. أي إيكال مهمّة واضحة للجيش اللبناني في مواجهة مكوّن لبناني كبير.. أي فتنة داخلية كاملة الأوصاف تريدها "إسرائيل" في لبنان."
وهو ما أقرّ به إعلاميون "إسرائيليون" بارزون، بينهم راقيب دروكر، مقدّم برنامج شهير على القناة 13، بقوله: "الخطة الإسرائيلية في لبنان هي تقسيمه وإغراقه في حرب أهلية"، وبكلام واضح وعلني على شاشة القناة نفسها: "أوعزنا للجيش اللبناني بقتال حزب الله، أي نقود لبنان إلى حرب أهلية، يتمّ تسويقها تحت عنوان: سلام".
وليؤكد المراسل العسكري ألون بن ديفيد بدوره: "إنّ هذا هو الهدف الإسرائيلي منذ البداية"!..
أبعد وأخطر من ذلك، هو في آليّة تحرّك الجيش. متى ينتشر، وأين؟ سيكون وفقاً للأوامر "الإسرائيلية". أي بعبارة أوضح: إخضاع الجيش لوصاية "إسرائيلية"، في سابقة خطيرة تطرح علامات استفهام كبرى حول موافقة السلطة اللبنانية على إدخال الجيش في هذا النفق المظلم!
ثمّة ما هو كارثي قادم على المؤسسة العسكرية، وفق تسريبات نُقلت عن أحد رؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية السابقين، والتي حذّرت من خطورة المضيّ بهذا الاتفاق الخطير، والذي سيفضي حتماً إلى "انقسام" الجيش.
وذكّرت بأنّ عديد ضباط وجنود الجيش، كما بقية الأجهزة العسكرية في لبنان، هو خليط طائفي لا يتحمّل زجّه في أتون مواجهة مع الحزب وحاضنته الشعبية خدمة لإسرائيل.
من هذا المنطلق كانت الخطوة الأميركية في رفع "عصا" الترهيب في وجه من يرفض الانصياع للأوامر، عبر فرض عقوبات على ضبّاط في قيادتَي الجيش والأمن العام، في سابقة تدلّ على مدى استباحة قرار وسيادة لبنان.
بل ذهبت أبعد من ذلك عبر "تمرير" أسماء ضبّاط محدّدين إلى الجيش "الإسرائيلي"، بينهم ضابطان تمّ اغتيالهما أثناء خدمتهما في جنوب لبنان، في توقيت ذهاب قائد الجيش إلى إسلام آباد بدعوة من نظيره الباكستاني، الذي حطّ بعدها في طهران!
إنه العماد رودولف هيكل، الذي يرفض قرار مواجهة الحزب وحاضنته الشعبية، ويقف حائلاً أمام فرض عقيدة موالية لإسرائيل في مؤسسة الجيش، والذي يتعرّض لضغوط داخلية وخارجية قصوى لتغيير نهجه الوطني، وحيث باتت المؤشرات تنذر بعزله بقرار أميركي- "إسرائيلي"، خصوصاً بعد زيارته مؤخراً إلى مناطق خطوط التماس في الجنوب، ما أثار امتعاضاً شديداً في أروقة واشنطن وتل أبيب.
لكن، بـ"لا" كبيرة، مرّر رئيس مجلس النواب نبيه برّي أمس رسالة "ساخنة" إلى "من يهمهم الأمر"، تعليقاً على ما يُتداول بشأن وجود توجّه لإقالة قائد الجيش، بكلمات حاسمة:
"لا يمزحنّ أحد هذه المزحة، ولا يلعبنّ أحد بالجيش"، واضعاً خطاً أحمر حول المؤسسة العسكرية، وجازماً أنّ اتفاق واشنطن "لن يمشِ ولن يُنفّذ".
كلامٌ جاء بعيد اتصال تلقّاه برّي من نظيره الإيراني محمد باقر قليباف، والذي أكد له عزم طهران على خروج الجيش "الإسرائيلي" من جنوب لبنان تبعاً للشرط الإيراني الوارد في اتفاق إسلام آباد، وكأنّ اتفاق واشنطن بين لبنان الرسمي و"إسرائيل" غير موجود أصلاً.
ربطاً بإدراك طهران أنّ موازين المنطقة تغيّرت بعد الحرب الأخيرة على إيران، والتي باتت قوّة إقليمية يُحسب لها ألف حساب.
وبالتالي، فإنّ اتفاق واشنطن يمكن اعتباره "جائزة ترضية" دون أي فاعلية على الأرض، رماها الرئيس ترامب لنتنياهو، تعويضاً عن النكسة المريعة التي أصابته وكيانه، عند توقيع اتفاق إسلام آباد.
وهو واقع استفاق عليه محللون ووسائل إعلام عبرية بعد هدوء عاصفة "الاحتفالات" الصاخبة بـ"الإنجاز التاريخي" وغير المسبوق الذي وهبته السلطة اللبنانية مجاناً لإسرائيل، قبل انقشاع الرؤية وإدراك أنّ "الحلّ والربط" ليس بمتناول سلطة بيروت، بل موجود في مكان آخر.
فكبار المحلّلين والصحف ووسائل إعلام عبريّة شكّكوا في القدرة على تطبيق اتفاق واشنطن.
"إنه زفاف بلا عروس" على حدّ تعليق صحيفة معاريف، والتي اعتبرت أنّ الاتفاق مليء بالإنجازات لصالح "إسرائيل"، لكنه مكتوب على الجليد، وفق توصيفها.
ولتعلّق صحيفة "إسرائيل هيوم" بدورها على الاتفاق بكلمات محبِطة: "حتى المؤسسة الأمنية في إسرائيل تبدي شكوكاً في إمكانية تنفيذه"، قبل أن يعلّق موقع "زمان" محذّراً من "أنّ إسرائيل لم تحقّق شيئاً من هذا الاتفاق والواقع سيّئ جداً".
وبالتالي، تفاوضت "إسرائيل" مع الجهة الخطأ في واشنطن، وكأنها تفاوضت مع نفسها، وليس مع أصحاب القرار على الأرض.
إنهم رجال حزب الله، الذين فاجأوا الجميع في "إسرائيل" بنهضتهم القوية منذ الثاني من آذار الماضي، بتكتيكاتهم القتالية الجديدة، و"كابوس" محلّقاتهم الانقضاضية التي لم تجد لها تل أبيب حلاً حتى الآن، واستراتيجيتهم الجديدة التي وضعت قادة الألوية والوحدات في الجيش "الإسرائيلي" على قائمة أهدافهم.
وهو ما دفع محلّلين وخبراء عسكريين "إسرائيليين" إلى دقّ ناقوس الخطر جرّاء هذه الاستراتيجية "الخطيرة"، وليحذّر موقع "واللا" العبري يوم الأحد الماضي، من خطورة "تركيز الحزب على رصد ومتابعة واستهداف قادة الجيش الميدانيين في جنوب لبنان"، معتبراً "أنّ هذه الاستراتيجية لحزب الله باتت تثير مخاوف جدّية في إسرائيل".
وبعد رصد وملاحقة قوّة من لواء غولاني أمس الأحد في قرية دير سريان الجنوبية، أفضت إلى مصرع ضابط نقيب وعدد من جنود القوّة صنّفهم بيان الجيش "الإسرائيلي" بـ"مصابين"، على جري عادة ما تفرضه الرقابة العسكرية، سدّد الحزب اليوم ضربة "من العيار الثقيل" في مرمى الجيش "الإسرائيلي"، عبر "استهداف مقرّ بداخله ضبّاط كبار في الجيش الإسرائيلي"، وفق ما ذكرت وسائل إعلام عبرية، من دون الكشف عن العدد الحقيقي للقتلى المُستهدَفين.
وسط تواتر معطيات عن شخصية صحافية مقرّبة من المقاومة، رجّحت أن يكون الحزب قد جهّز "ضربات قاسية وعمليات نوعية غير مسبوقة"..
وإذ لفتت إلى أنّ إيران باتت تعتبر لبنان جزءاً من أمنها القومي، وأنها لن تسمح بمحاصرة حليفها مهما كلّفت من أثمان، توقعت "ضربة" إيرانية مباغتة في المرمى المعادي، "تقلب الموازين في لبنان"، وألمحت إلى تسريبات صحفية "شحيحة" واكبت زيارة قائد الجيش اللبناني إلى إسلام آباد، تحدثت عن حدث مباغت وغير متوقع يتصدر من خلاله الأخير، واجهة الأحداث الهامة في لبنان والمنطقة!