لم يعد المشهد المهيب لتشييع المرشد الأعلى الشهيد علي خامنئي يُقاس بحجم الحشود ولا بعدد المشاركين ولا باتساع الساحات التي غصّت بالمشيّعين. فهذه لم تعد مفردات الحدث، بل أصبحت من بديهياته؛ إذ يمكن اختصار ذلك كله بالقول إنها واحدة من أكبر الجنائز الشعبية في التاريخ المعاصر، وربما الأوسع على مستوى العالم.
أما الرسالة الحقيقية، فهي ما اختبأ خلف ذلك المشهد الأسطوري. لم تكن مجرد دموع ملايين الرجال والنساء، ولا حضور الشباب والأطفال حول قائدٍ ناهز التسعين من عمره، قضى عقوداً متكئاً على عصا أنهكتها مسيرة الجهاد كما أنهك الجهاد جسده، بيدٍ أثقلها العمر والكفاح، وأخرى أقعدها الألم عن كل حركة إلا أن ترتفع بالدعاء إلى الله أو تهوي ساجدةً بين يديه.
لقد أراد الشعب الإيراني، ومعه جماهير واسعة حضرت من دول المنطقة والعالم، أن يبعث برسالة تتجاوز حدود إيران، مفادها أن استشهاد من كان يتصدر قيادة جبهة الحق لا يعني أفول المشروع الذي حمله، ولا انطفاء المبادئ التي عاش واستشهد من أجلها. فالأشخاص يرحلون، أما النهج إذا تجذر في وجدان الشعوب فلا يُغتال، والرايات إذا حملتها الأمم لا تسقط بسقوط حامليها.
ذلك المشهد لم يكن تأبيناً لرجل بقدر ما كان استفتاءً شعبياً على مدرسة كاملة، وإعلاناً بأن الحق لا يموت مهما تكاثرت الطواغيت، وتعاظمت إمبراطوريات القوة، واستشرى الظلم والفساد في الأرض. وهكذا عاش علي خامنئي، وهكذا استشهد، ثابتاً على الشعار الحسيني الخالد: «والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرُّ إقرار العبيد»؛ ليغدو رحيله تثبيتاً للنهج أكثر منه نهايةً لصاحبه.
ولعل أكثر ما أقلق خصومه لم يكن اتساع الجنازة بحد ذاته، بل ما كشفته من حقيقة يصعب تجاوزها في الحسابات السياسية والاستراتيجية؛ وهي أن المشاريع العقائدية لا تُقاس بعمر قادتها، بل بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها مع كل محطة مفصلية. فحين تتحول القيادة إلى منظومة وعي، ويغدو الإيمان بالقضية جزءاً من الهوية الجمعية، يصبح اغتيال القائد حدثاً مؤلماً، لكنه لا يتحول إلى نقطة انهيار. ومن هنا، بدا مشهد التشييع رسالة تتجاوز حدود الرثاء، لتقول إن الصراع في المنطقة ليس صراعاً على النفوذ وحده، بل هو أيضاً صراع بين إرادات ومناهج ورؤى متباينة لمستقبلها. وفي مثل هذه المواجهات، قد تُحسم معارك بالسلاح، لكن حسم الصراع على الوعي والانتماء والهوية يبقى رهناً بقدرة كل مشروع على البقاء حياً في ضمير شعوبه، لا في حياة قادته.
عباس المعلم - كاتب سياسي