✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم يعد المشهد اليمني كما كان في سنوات الحرب الأولى، ولم تعد المعادلات القديمة قادرة على فرض نفسها على الواقع.
فمع كل بيان يصدر عن مؤسسات الدولة اليمنية، يتأكد أن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها انتزاع الحقوق الوطنية وكسر الحصار، وأن لغة الإملاءات والوصاية لم يعد لها مكان أمام إرادة شعب صمد أكثر من عقد في مواجهة العدوان.
وفي هذا السياق، جاء بيان وزارة الخارجية والمغتربين ردًا محاولة النظام السعودي تضليل الرأي العام وتحريف الوقائع وتزييف الحقائق، ليضع النقاط على الحروف، ويكشف حقيقة الموقف اليمني من خارطة الطريق، ومن عملية السلام، ومن استمرار الحصار، وليحمل في الوقت ذاته رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود الرد الإعلامي إلى رسم معالم المرحلة المقبلة.
البيان أكد بصورة قاطعة أن الشعب اليمني بكل مؤسساته قد اتخذ قراره النهائي بإنهاء العدوان وكسر الحصار، وأن هذا القرار غير قابل للمساومة أو التراجع مهما كانت التضحيات.
وهي رسالة تعني أن ملف الحصار لم يعد ورقة ضغط بيد المعتدين، فقد أصبح قضية سيادية لا يمكن القبول باستمرارها تحت أي مبرر.
كما فنّد البيان المزاعم السعودية بشأن رفض اليمن لخارطة الطريق، مؤكدًا أن صنعاء أعلنت موافقتها عليها مرارًا، وأن الطرف الذي يعرقل تنفيذها هو النظام السعودي نفسه، الذي يحاول التهرب من استحقاقات السلام عبر المماطلة والتسويف، بعدما راهن طويلًا على أن العدوان الأمريكي والإسرائيلي على اليمن سيعيد فرض موازين القوى القديمة، إلا أن هذا الرهان سقط كما سقطت رهانات الحرب السابقة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في البيان هو انتقال الخطاب اليمني من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، عندما وجّه رسالة واضحة إلى قيادة النظام السعودي بضرورة النظر إلى منشآته الاقتصادية، وحقول النفط، وأرامكو، وينبع، والموانئ، والأسواق المالية، ومشاريع رؤية 2030، باعتبار أن استمرار التعنت لن تكون كلفته سياسية فقط، بل اقتصادية واستراتيجية أيضًا، إذا استمر في تعطيل السلام وعرقلة الحقوق المشروعة للشعب اليمني.
ويؤكد البيان أن النظام السعودي لا يمكن أن يقدم نفسه وسيطًا أو طرفًا محايدًا، لأنه هو من أعلن الحرب، وقاد العدوان، وفرض الحصار، وأشرف على العمليات العسكرية التي استهدفت البشر والحجر، وتسببت في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، فضلًا عن استمرار احتلال أجزاء من الأراضي اليمنية ورعاية الأنشطة العدائية ضد اليمن.
كما يكشف البيان حجم التناقض في الخطاب السعودي، إذ يعتبر عودة مواطنين يمنيين عالقين في الخارج عبر مطار صنعاء الدولي تهديدًا لأمن المملكة، بينما يغض الطرف عن الحصار الذي حرم المرضى والطلاب والمسافرين من أبسط حقوقهم الإنسانية لسنوات طويلة، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي يعيشه النظام السعودي أمام التحولات المتسارعة.
ومن اللافت أيضًا أن البيان ربط بين الموقف السعودي الرافض لعمليات الإسناد اليمنية وبين ارتباطه بالمشروع الأمريكي والإسرائيلي، معتبرًا أن انتقاد الرياض لهذه العمليات يكشف استمرار اصطفافها ضمن المشروع الداعم لكيان الاحتلال، وهو ما يفسر حالة الانزعاج من كل خطوة تعزز استقلال القرار اليمني أو تكسر قيود الحصار.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتزامن صدور هذا البيان مع الوقفة الجماهيرية الحاشدة أمام مطار صنعاء الدولي، تحت شعار: "سيفتح المطار ويكسر الحصار... غصبًا عن كل الأشرار"، حيث عبّر المشاركون عن تأييدهم الكامل لموقف القوات المسلحة اليمنية، ووجّهوا رسالة واضحة بأن قضية المطار والحصار أصبحت قضية شعب بأكمله، وليست مجرد ملف تفاوضي قابل للتأجيل أو المساومة، كما عبّروا عن تقديرهم لموقف الجمهورية الإسلامية في إيران في دعم كسر الحصار.
إن الرسالة التي خرجت بها الوقفة الشعبية، والمتزامنة مع بيان الخارجية، تؤكد أن الموقف الرسمي والشعبي يقف اليوم في خندق واحد، وأن معركة كسر الحصار تحظى بإجماع وطني واسع، الأمر الذي يمنح القيادة اليمنية مزيدًا من القوة والثبات في مواجهة أي محاولات للابتزاز أو فرض الشروط.
لقد حاول النظام السعودي، خلال السنوات الماضية، أن يجعل الحصار وسيلة لإخضاع اليمنيين، غير أن الوقائع أثبتت أن الحصار لم يزد هذا الشعب إلا صمودًا، وأن كل محاولات الالتفاف على حقوقه باءت بالفشل، وأن زمن فرض الوصاية قد انتهى إلى غير رجعة.
واليوم، يبدو المشهد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ فإما سلام قائم على احترام السيادة اليمنية ورفع الحصار وتنفيذ الالتزامات، وإما أن تستمر صنعاء في انتزاع حقوقها بكل الوسائل المشروعة التي أعلنتها بوضوح.
فاليمن لم يعد ينتظر منحة من أحد،لكنه يمضي بثقة نحو استعادة حقوقه، مستندًا إلى إرادة شعبه، وإلى معادلات ردع فرضتها سنوات الصمود، حتى أصبح كسر الحصار حقيقة تفرضها الوقائع، لا مجرد شعار يُرفع في الميادين، ومن كذب جرب.