كشفت دراسة علمية جديدة أن بعض أنواع البكتيريا الموجودة في الأمعاء الدقيقة لدى الأم قد تؤثر بشكل مباشر في نمو الجنين وصحة الجهاز الهضمي لدى الطفل، كما يمكن أن تنتقل من الأم إلى نسلها، مسببة اضطرابات مرتبطة بالنمو والالتهابات المعوية.
اضطراب معوي يرتبط بسوء التغذية

يعاني كثير من الأطفال حول العالم، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها حالات سوء التغذية، من اضطراب يعرف باسم الخلل الوظيفي البيئي للأمعاء، وهو مرض يصيب الأمعاء الدقيقة ويتسبب في تلف بطانتها، ما يقلل من قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية.
ويرتبط هذا الاضطراب بضعف المناعة، وتأخر النمو البدني، وتراجع التطور المعرفي، كما قد تستمر آثاره طوال حياة الطفل حتى بعد تعويض نقص التغذية باستخدام الأغذية العلاجية.
تحليل عينات من أطفال في بنغلاديش
اعتمد الباحثون الأمريكيون على عينات مأخوذة من أطفال يبلغ متوسط أعمارهم نحو 18 شهرا في جمهورية بنغلاديش، كانوا يعانون من اضطرابات في وظائف الأمعاء.
وشملت الدراسة 525 طفلا تلقوا نظاما غذائيا علاجيا قياسيا يحتوي على الحليب والبيض والفيتامينات والمعادن. وبالنسبة للأطفال الذين لم تتحسن حالتهم رغم العلاج الغذائي، أجرى الباحثون، بعد الحصول على موافقة أولياء الأمور، فحوصا بالمنظار لجمع عينات من بطانة الأمعاء والبكتيريا الموجودة في الجزء العلوي من الأمعاء الدقيقة.
وكشف تحليل العينات عن وجود 14 نوعا من البكتيريا ارتبطت ببطء النمو وارتفاع معدلات الالتهاب.
تجارب على الفئران تؤكد انتقال البكتيريا
لاختبار تأثير هذه البكتيريا، أجرى العلماء تجارب على فئران تم تغذيتها بنظام غذائي يحاكي الغذاء الشائع في منطقة ميربور بالعاصمة البنغلاديشية دكا، حيث عاش الأطفال المشاركون في الدراسة.
واستخدم الباحثون فئرانا نشأت في بيئة معقمة وخالية من بكتيريا الأمعاء، ثم زرعوا لديها عينات مختارة من بكتيريا الأمعاء الدقيقة المأخوذة من الأطفال المصابين بسوء التغذية.
أما المجموعة الضابطة، فقد تلقت نوعا آخر من بكتيريا الأمعاء لا يسبب التهابات، مع اتباع النظام الغذائي نفسه.
تأثير يبدأ قبل الولادة
أظهرت نتائج الدراسة أن مجموعة البكتيريا المسببة للالتهابات يمكن أن تنتقل من الأم إلى صغارها، كما أن تأثيرها يبدأ خلال فترة الحمل.
ولوحظ لدى الصغار الذين تعرضوا لهذه البكتيريا تأخر في النمو، وارتفاع في مؤشرات الالتهاب في الدم، إضافة إلى تلف في بطانة الأمعاء، وهي أعراض مشابهة لما يظهر لدى الأطفال المصابين بهذا الاضطراب.
انتقال البكتيريا إلى الأفراد الأصحاء
اكتشف الباحثون أيضا أن الفئران التي تحمل البكتيريا المسببة للالتهاب كانت قادرة على نقلها إلى فئران سليمة عند تربيتها داخل القفص نفسه، ما أدى إلى ظهور التأثيرات الصحية الضارة لدى الحيوانات التي كانت في الأصل خالية من هذه البكتيريا.
بكتيريا Campylobacter concisus الأكثر ارتباطا بالالتهاب
حدد الباحثون بكتيريا Campylobacter concisus باعتبارها السلالة الأكثر ارتباطا بإحداث الالتهاب في الأمعاء الدقيقة لدى الفئران، وهي أيضا من السلالات التي عثر عليها لدى الأطفال المشاركين في الدراسة.
لكن اللافت أن هذه البكتيريا، عندما وجدت بمفردها داخل فئران لا تمتلك ميكروبيوما معويا طبيعيا، لم تتسبب في حدوث المرض، ما يشير إلى أن تأثيرها يعتمد بدرجة كبيرة على البيئة الميكروبية المحيطة بها، وليس على وجودها وحده.
تطوير علاجات تستهدف ميكروبيوم الأمهات
يخطط الباحثون في المرحلة المقبلة لتطوير وسائل آمنة وفعالة لتعديل الميكروبيوم المعوي المسبب للالتهابات لدى الأمهات المصابات باعتلالات الأمعاء، بهدف تقليل الالتهاب وتحسين الحالة الغذائية، مع تعزيز تكوين بيئة ميكروبية صحية ومستقرة لدى الأطفال منذ المراحل الأولى من حياتهم.