البابا في مواجهة منطق القوة: الإنسان أولاً
مقالات
البابا في مواجهة منطق القوة: الإنسان أولاً
وائل المولى
23 آب 2026 , 13:17 م

لم تكن زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى ريميني مجرد محطة رعوية أو مناسبة دينية عابرة. ما جرى في المدينة الإيطالية يمكن قراءته كرسالة سياسية وإنسانية تتجاوز حدود الكنيسة، خصوصاً أن البابا اختار أن يضع الإنسان في قلب مشهد عالمي تتقدم فيه الحدود، والهويات، وموازين القوة، على حساب الإنسان نفسه.

في ريميني، قال البابا عبارته الأكثر دلالة: «قبل الحدود والتعريفات والمؤسسات، هناك دائماً الأشخاص». وقد تبدو العبارة للوهلة الأولى بأنها أخلاقية فقط .

لكنها تحمل في توقيتها ومكانها مضموناً سياسياً واضحاً حول إعادة ترتيب الأولويات في عالم تتسع فيه الحروب، وتتصاعد فيه القوميات، وتعود فيه الحدود إلى الواجهة، وتتحول الهجرة والاختلاف الثقافي والديني إلى قضايا أمنية وسياسية.

الأكثر دلالة أن البابا لم يكتفِ بالكلام بل بدأ زيارته بين المعارض والشباب، وتوقف عند نماذج فكرية واجتماعية مرتبطة بالإنسان والعمل والكرامة، ثم التقى الفقراء والمرضى وذوي الإعاقة. وكأنه أراد أن يقول إن السياسة الحقيقية تبدأ من الإنسان، وإن المؤسسات لا تكتسب شرعيتها إلا بقدر ما تحميه وتصون كرامته.

ومن هنا يمكن قراءة ريميني كإشارة مبكرة إلى ملامح مدرسة البابا ليو الرابع عشر السياسية: السلام ليس مجرد اتفاق بين الدول، والأمن ليس مجرد إغلاق الحدود، والدولة ليست غاية في ذاتها، والمؤسسة التي تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى عبء على المجتمع.

لكن الأخطر في الرسالة هو بعدها المستقبلي.

فالعالم يتجه نحو مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ، وإعادة تشكيل التحالفات، وتسليح الحدود، وتنامي القلق من الهجرة، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية. وفي هذا السياق، قد يحاول الفاتيكان أن يلعب دوراً يتجاوز الوساطة التقليدية بين المتخاصمين، نحو التأثير في القواعد الأخلاقية والسياسية التي تحكم العلاقات الدولية.

وهنا يمكن أن تصبح عبارة «الإنسان قبل الحدود» عنواناً لسياسة جديدة للفاتيكان تكون أكثر حضوراً في ملفات الهجرة والحروب والشرق الأوسط، وربما في إعادة بناء المجتمعات الخارجة من النزاعات.

والشرق الأوسط هو الاختبار الأصعب.

فإذا كانت الحدود قد أصبحت في منطقتنا العربية جزءاً من الصراع على الهوية، وإذا أصبحت الطائفة والقومية والمنطقة أحياناً أقوى من مفهوم المواطنة، فإن فلسفة ريميني تقدم سؤالاً مختلفاً: ماذا لو بدأنا من الإنسان أولاً.

وفي سورية تحديداً، يمكن أن تتحول هذه الفكرة إلى قاعدة لإعادة بناء الدولة بعد كل التطورات التي مرت بها البلاد على قاعدة أن المواطن قبل الطائفة، والوطن قبل الانقسام، والمؤسسة في خدمة الإنسان، والحدود لحماية الناس لا لتحويلهم إلى وقود للصراع.

وقد يكون هذا هو الرهان الحقيقي للبابا ليو الرابع عشر: ألا يكتفي الفاتيكان بالتدخل عندما تندلع الحروب، بل أن يساهم في إعادة صياغة مفهوم السلام قبل أن تبدأ الحرب.

وبالتالي الرسالة ليست دعوة إلى إلغاء الحدود، بل إلى منعها من إلغاء الإنسان.

وليست دعوة إلى إسقاط الدولة، بل إلى استعادة وظيفتها الأولى: أن تكون الدولة في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان وقوداً لبقائها.

لهذا أعتقد أن زيارة ريميني تستحق أن تُقرأ سياسياً بقدر ما تُقرأ دينياً.

فربما كان البابا يقول للعالم، من قلب أوروبا:

في زمن تتسابق فيه الدول على القوة والنفوذ، قد يكون إنقاذ الإنسان هو آخر مشروع حقيقي لإنقاذ العالم.