كتب: حسن علي طه
دوماً ما كانت فلسطين حاضرة في الجغرافيا اللبنانية، فمرة كان جبل عامل جزءاً من ولاية عكا أيام السلطنة، ومع تأسيس لبنان، ونتيجة إهمال الدولة اللبنانية للأطراف، كانت فلسطين هي البعد الاقتصادي لقرى جبل عامل.
ومع نشأة الكيان بعد نكبة ٤٨، كان للبنان النصيب الأكبر من الفلسطينيين الذين تركوا ديارهم قسراً، وكان جبل عامل ممراً لهم إلى العاصمة بيروت، ومستقراً للكثيرين منهم في مخيمات الجنوب البص وبرج الشمالي والرشيدية.
عاشت فلسطين في قلب وعقل أهالي جبل عامل الشيعة،
فكان لعبد الناصر حبان: حب الزعيم العربي، وحب ناصر فلسطين.
ويُسجّل أن المنظمات الفلسطينية والناصرية، وحتى اليسارية، التي حملت قضية فلسطين كان سوادها الاعظم من شيعة جبل عامل - لبنان.
ومع الإمام موسى الصدر، بدأ الشيعة يشكلون كياناً منظماً مستقلاً، وكانت فلسطين أولى حروفه، ولا تكاد تسمع خطاباً للإمام الصدر عن جنوب لبنان إلا وفلسطين توأمه. كيف لا وهو من أفتى فقال:
«إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام».
بعدها أتت ثورة الإمام الخميني، وكان من أولى خطواتها تحويل سفارة العدو الإسرائيلي في طهران إلى سفارة لفلسطين، وإعلان آخر جمعة من شهر رمضان يوم القدس العالمي، ووصف الإمام إسرائيل بالغدة السرطانية الواجب اقتلاعها.
تبنى حزب الله قضية فلسطين مع رصاصاته الأولى، وكانت فلسطين حاضرة في شعاراته ونشاطاته وكلماته واحتفالاته.
فشعار زحفا زحفا نحو القدس مازال في الاذان والاذهان.
وتكرس ذلك مع اندحار العدو الإسرائيلي عن لبنان عام ٢٠٠٠، ومع شرارة الانتفاضة الثانية، حين أطلق السيد حسن نصر الله وعداً لشعب فلسطين:
«يا شعب فلسطين، يمكنكم في الشدائد أن تراهنوا علينا وكفى».
وهكذا كان القول والفعل على مدى ربع قرن.
حتى يوم ذهب حزب الله للقتال في سوريا، كان أحد أهدافه الأساسية منع حصار المقاومة وقطع خطوط إمدادها، وهذا ما عاد إلى الواجهة وتاكد بقوة بعد سقوط نظام آل الأسد والتحولات الكبرى التي شهدتها سوريا.
ومع بداية معركة طوفان الأقصى، التي اتخذ قرارها الضيف والسنوار منفردين كان الحزب على وعده، فدخل حرب الإسناد لغزة دون تردد.
وبعيداً عن النتائج التي وصلت إليها الحرب، وعلى مقربة من إتمام عامها الثالث، يُسجّل لحزب الله انتصاره لما يراه واجباً دينياً وأخلاقياً وإنسانياً، كما أكد في سلوكه أن الطائفية لم تكن حاضرة في مواقفه وثقافته
فحزب الله الشيعي حتى النخاع ناصر حماس السنية حتى العظم.
وأي ناصر؟
قدم حزب الله في حرب الإسناد أثماناً هائلة:
قادة بالمئات،
شهداء بالآلاف،
وخسائر في الأرزاق والممتلكات، حتى باتت بعض مشاهد الدمار والإبادة في جنوب لبنان تستحضر صور غزة.
وفى حزب الله لوعوده،
واقتدى لقول رسوله ص فأصبح وأمسى مهتماً بأمور المسلمين في غزة،
فكان مسلما عن حق لا بل اخرج مليار مسلم صموا الآذان وكموا الأفواه وشاحوا النظر عن قتل آلاف الغزيين السنة على الهواء مباشرة في سابقة لم تشهدها حربا قط.
ومع حزب الله كانت الفصائل العراقية وأنصار الله في اليمن، وصولاً إلى إيران التي دفعت، قادة وشعباً، أثماناً في سياق المواجهة المرتبطة بفلسطين.
ومع سقط بشار الأسد تبدل المشهد ووصول أبو محمد الجولاني إلى قصر المهاجرين، كانت اولى التهاني له من سارة إسماعيل هنية .
وفي وقت توسع فيه الحضور العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية حتى بلغت تخوم دمشق .
صمت الجولاني الذي كان يقول سابقا "اليوم دمشق وغدا القدس "
فيطلب منه ترامب الذي عينه في دمشق أن يتدخل لنصرة نتنياهو ضد حزب الله دون أن يحرك ساكن
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
أن تضحي بكل ما تملك، من فلذات الأكباد والأحبة وجنى الأعمار والأرزاق، وأن تتحول القرى إلى ركام والأجساد إلى أشلاء، وأن تستمر رغم ذلك في القتال، ثم تجد نفسك بعد الحرب أمام واقع عربي وإسلامي لا يشبه حجم التضحيات التي قدمتها.
ناهيك عن مواقف دول عربية وإسلامية عملت، كل بحسب حساباتها ومصالحها، على محاصرة المقاومة في لبنان سياسياً واقتصادياً وإعلامياً.
هنا تصبح الخيارات موضع نقاش.
ليس النقاش حول فلسطين، ولا حول حق أهلها، ولا حول موقع القدس في وجدان المسلمين والعرب.
النقاش هو: من يتحمل أثمان فلسطين؟
فلسطين كانت دوماً قضية العرب والمسلمين الأولى، ويوم قرر حزب الله أن يكون رأس حربة في مشروع المقاومة لنصرة فلسطين وأهلها ومواجهة إسرائيل، كانت الأثمان هائلة.
واليوم، بعد كل ما جرى، يقف حزب الله أمام تحديات لبنانية لا تقل خطورة: أرض محتلة يجب تحريرها، قرى مدمرة يجب إعمارها، مهجرون يجب أن يعودوا إلى بيوتهم، مجتمع دفع أثماناً بشرية واقتصادية هائلة، وبيئة تحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادة ما خسرته.
وهنا يأتي السؤال الذي يجب ألا يكون محرماً:
هل يجب أن يبقى حزب الله رأس الحربة في قضية مليار وربع مسلم ؟
لقد قدم الحزب ما يكفي لإثبات أن فلسطين لم تكن يوماً شعاراً عنده. قدم قادته ومقاتليه وأبناء بيئته وقراه وأرزاق ناسه، ودفع أثماناً ربما لم يكن كثيرون ممن يرفعون راية فلسطين مستعدين لدفع جزء منها.
لذلك فإن إعادة ترتيب الأولويات لا تعني التخلي عن فلسطين، كما أن العودة إلى الداخل اللبناني لا تعني التنكر للقدس.
فلسطين يجب أن تعود قضية أمة، لا قضية محور وحده، ولا حزب وحده، ولا طائفة وحدها.
وحزب الله، في مرحلة ما بعد الحرب، أمام مسؤولية أن يحمي ما تبقى، وأن يستعيد أرضه، وأن يعيد ناسه إلى قراهم، وأن يساهم في إعادة إعمار ما تهدم، وأن يعيد بناء قدرته ومجتمعه بعد واحدة من أقسى الحروب التي خاضها.
أما فلسطين، فستبقى فلسطين.
قضية العرب والمسلمين جميعاً.
وسيظل حزب الله جزءاً من عالمه العربي والإسلامي، ونصيراً لفلسطين وأهلها، ولكن ليس مطلوباً منه أن يحمل، وحده أو مع قلة، أثمان قضية أمة بأكملها.
فلسطين للجميع، والتضحية من أجلها يجب أن تكون مسؤولية الجميع.