«حين تستعار عباءة التوحيد لتغطية خطاب الإقصاء، ويختزل الدين في مفاتيح التحريم والتبديع والتكفير؛ قراءة في هندسة الغلو، وتزييف الوعي، وتحويل الاختلاف إلى متاريس، حتى يغدو ما بدأ بإسم التنقية بابا إلى الفتنة وتمزيق الصف إرضاءا للعدو الغاصب.»
الإسلام بريء من عبث المحرضين.
ليس نقد الفكر التكفيري طعنا في الإسلام الحنيف، ولا انتقاصا من قداسة رسالته؛ بل هو دفاع عن جوهره النقي، وتبرئة له من تأويلات مسمومة اتخذت من الدين ستار التحريض والترويع وسفك الدماء. إنني لا أحارب الإسلام، بل أحمي صورته من الذين شوهوها، ولا أخاصم العقيدة، بل أواجه من حولها إلى متراس للإقصاء ومقصلة للمخالفين. فالإسلام الحنيف، في رسالته القرآنية دعوة إلى السلام والرحمة وصون كرامة الإنسانية، لا إلى استباحة النفوس وإيقاظ القتنة من ثباتها. ويكفي أن نستحضر قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
من تحريف النصوص إلى تخريب الأوطان والتآمر على أجنحة المقاومة الوطنية الشرعية.
أولا: القرآن ميزانا، لا التأويلات المسمومة. إن مرجعنا الأول هو القرآن الكريم، كتاب الهداية والرحمة، لا روايات مدسوسة ولا إسرائيليات ولا أحاديث موضوعة. أو تأويلات انتقائية تنسب إلى الدين لتبرير الكراهية وتمزيق الأمة. فليس كل ما نسب إلى التراث مقدسا، ولا كل ما رفع على منبر الفتوى محقا. ولا الكثير من القراءات النجدية المتشددة التي اتخذت من دعوة تنقية التوحيد ذريعة لتبديع المخالفين، والتضييق على الموروث الإسلامي، وتوسيع دوائر الاقصاء والتكفير، حتى غدا الاختلاف في فهم العقيدة بابا للفرقة، وتحولت شعارات تصحيح الاعتقاد إلى متاريس تمزق وحدة صف المسلمين. بل إن التمحيص والتحقيق مسؤولية دينية وأخلاقية، تقتضي التمييز بين الوحي والتأويل البشري، وبين الرواية الصحيحة والدخيل المزيف.
ويضع القرآن قاعدة أخلاقية لا لبس فيها: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ فكيف يستقيم الاعتداء على الأبرياء مع آيات تنهي عن العدوان؟ وكيف يسوغ التكفير والتخويف باسم رسالة جعلت من الرحمة أصلا من أصولها؟
ثانيا: اقتلاع جذور التطرف وحماية الأجيال.
لقد باتت مواجهة الفكر التكفيري الدموي ضرورة وطنية وفكرية، تبدأ بتفكيك منابعه وقطع شرايين امتداده، ومراجعة الكتب والفتاوى التي تحرض على العنف، ومنع تداول المواد التي تشرعن الإرهاب، وفق أطر قانونية عادلة تصون حرية الاعتقاد والتعبير، ولا تسمح بتحويلها إلى غطاء للتحريض. فالعقول الناشئة ليست حقولا مباحة لزرع السموم، والأوطان ليست ساحات لتجارب المحرضين. وقد قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾.
ثالثا: حين تتحول أحاديث التكفير إلى خنجر في خاصرة الوطن.
لا يقف خطر هذا الفكر عند حدود المنابر، بل يمتد إلى استهداف الجيوش والمؤسسات والبنية التحتية، وإشاعة الرعب والفوضى الخلاقة وإضعاف الدولة وفتح أبواب التدخل الخارجي. وهذا ما تسعى إليه القوى الاستعمارية وأصحاب الأطماع وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني الغاصب. وهكذا تتحول الشعارات الدينية إلى غطاء لمشاريع الهدم، وتستبدل حماية المجتمع بتفكيكه. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التحقق من شبكات التمويل والتسليح والتدريب، ومساءلة كل من يثبت تورطه في دعم العنف. بعيدا عن التعميم والاتهامات غير الموثقة.
رابعا: القدس ومفارقة الصمت والتكفير.
ومن أشد المفارقات إيلاما أن توجه سهام التكفير إلى قوى تتصدى للاحتلال الإسرائيلي الغاصب، بينما يغض الطرف عن الجرائم والفظائع والانتهاكات التي تطال الفلسطينيين ومقدساتهم والجنوبيين اللبنانيين. وتزداد المفارقة حين توصم قوى لبنانية وفلسطينية ويمنية وغيرها بالكفر والزندقة، بينما يستعان بقوى خارجية ذات تاريخ استعماري، وتضخ في خزائنها أموال بأرقام فلكية.
إن الاختلاف السياسي لا يبرر التكفير، ونقد أي حركة لا يسوغ استباحة دماء أبنائها أو تجاهل حقوق الشعوب ومقدساتها.
دين الرحمة لا راية الفتنة.
إن احترامنا للديانات الأخرى ليس تنازلا عن هويتنا، بل تعبير عن أخلاق الإسلام الذي يرفض الإكراه، ويصون كرامة الإنسان. قال تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وقال أيضا: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾.
إن معركتنا ليست مع الإسلام، بل مع الفكر المتأسلم الذي اختطف اسمه، وحرف مقاصده، واتخذ من التكفير وسيلة للهيمنة والتخريب. فالدين بريء من فتاوى الفتنة، والوطن أسمى من عبث المحرضين، والإنسان أكرم من أن يختزل في اختلاف عقيدته.
من الربيع إلى الخريف، تتبدل الأقنعة وتتهاوى الشعارات، ويبقى القرآن الكريم نورا لا تطفئه رسائل التضليل؛ فالإسلام رسالة سلام، لا مصنع إرهاب، ومن شوه صورته باسم الإيمان، فضحته أفعاله ولو تزين بألف عباءة من التقوى.
كاتب سوري حر _ مقيم خارج الوطن.