بين قاسم وعون .. دولة الخطاب أم دولة القدرة ؟
مقالات
بين قاسم وعون .. دولة الخطاب أم دولة القدرة ؟
عباس المعلم
18 كانون الثاني 2026 , 20:01 م


ما يُسمّى في لبنان «خطاب السيادة السياديّة» ليس مشروع دولة، بل بلاغة إنكارية تُخفي فراغًا استراتيجيًا. هو خطاب يرفع السيادة شعارًا، ويُفرغها من مضمونها، يستعير مفردات الاستقلال ليُعيد إنتاج التبعية بصيغة مهذّبة. فالدولة، وفق هذا المنطق، لا تُقاس بقدرتها على حماية نفسها، بل بمدى التزامها بقواعد الطمأنينة التي يضعها الخارج ويُديرها الوكلاء في الداخل.

في هذا السياق، يصبح السلاح عقدة مصطنعة، لا لأنه خطرٌ بذاته، بل لأنه يفضح كذبة «السيادة المجردة من القوة». دعاة هذا الخطاب لا يسألون من يهدد لبنان، ولا كيف تُردع الاعتداءات، بل يطالبون بنزع آخر عناصر الإرباك من وجه الخصم، تمهيدًا لتحويل البلد إلى مساحة قابلة للإدارة، لا كيانًا قادرًا على الرفض.

خطاب الشيخ نعيم قاسم جاء ككسرٍ واضح لهذا الوهم. لم يدافع عن سلاح، بل فكّك الأساس النظري الذي يقوم عليه خطاب «السيادة السياديّة». حين قال إن لبنان لن يكون بلا مقاومة، كان يقول إن السيادة ليست إعلان نوايا، بل فعل قوة؛ ليست نصًا دستوريًا يُتلى، بل ميزان ردع يُحتَرم. ومن دون هذا الميزان، تصبح الدولة هيكلًا إداريًا يتقن الخطاب ويعجز عن الحماية.

الأخطر في هذا الخطاب السيادي أنه يعادي المقاومة باسم الدولة، ثم يعجز عن تقديم دولة. فهو يطالب بتجريد لبنان من أدوات الدفاع، ثم يتركه عاريًا أمام الوقائع الإقليمية، ويبيع هذا العري على أنه «حياد» و«تعقّل» و«حكمة سياسية». والحقيقة أن الحياد بلا قوة ليس موقفًا، بل انكفاء؛ والسيادة بلا ردع ليست سيادة، بل إدارة أزمة دائمة.

من هنا، فإن معركة حزب الله ليست مع الدولة، بل مع هذا الفهم المُشوَّه للدولة؛ دولة بلا مخالب، بلا ذاكرة صراع، بلا حق في الغضب المشروع. المقاومة، في هذا المعنى، ليست نقيض الدولة، بل شرطها التاريخي في بيئة عدوانية لا تعترف إلا بمن يملك القدرة على الرد.

أما الإصرار على اختزال النقاش في «حصر السلاح»، فليس سوى محاولة يائسة لتدوير العجز السياسي وتحويله إلى فضيلة أخلاقية. إنها سيادة تُطالب الآخرين بالتخلي عن قوتهم، لأنها عاجزة عن إنتاج قوة خاصة بها.

وهنا بيت القصيد: لبنان الذي يتخلى عن المقاومة لا ينتقل إلى الدولة، بل يُنزَع من السياسة أصلًا. يصبح ملفًا، لا فاعلًا؛ ساحة، لا قرارًا. وفي لحظة كهذه، لا تعود المشكلة في السلاح، بل في العقل الذي يرى في الضعف مشروعًا، وفي الاستسلام حكمة.

عباس المعلم - كاتب سياسي