بين الإرث والعجز ..سعد الحريري وإخفاق التحوّل من المظلومية إلى مشروع دولة ..
مقالات
بين الإرث والعجز ..سعد الحريري وإخفاق التحوّل من المظلومية إلى مشروع دولة ..
عباس المعلم
16 شباط 2026 , 20:02 م


بقلم ( عباس المعلم )

في السياسة اللبنانية، لا تكفي الذاكرة ولا تكفي العاطفة لصناعة زعامة، ولا يكفي الإرث مهما كان مأساوياً ليؤسس مشروع دولة. بين الرمز والواقع، بين صورة الابن وعبء الأب، يقف سعد الحريري عند مفترق دقيق: زعامة تبحث عن تجديد شرعيتها في زمن تغيّرت فيه موازين الداخل والخارج، وتبدّلت فيه قواعد اللعبة الإقليمية. هنا، لا يعود السؤال عن النيات، بل عن الوقائع؛ ولا عن الشعارات، بل عن الكلفة السياسية والمالية التي دفعتها البلاد تحت عناوين براقة.

يتقدّم سعد الحريري في العمر أكثر مما يتقدّم في النضج السياسي. لا يزال، إلى حدّ بعيد، أسير شخصية تمارس السياسة بالعاطفة، مستنداً إلى إرث اغتيال والده رفيق الحريري، ومتكئاً على كاريزما شخصية لطيفة تُحسن إظهار الودّ وتستدرّ التعاطف. غير أنّ السياسة، في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُدار بالودّ ولا تُبنى على استعادة المظلومية.

ليس سعد الحريري مشروع فتنة داخلية، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدل. لكن في المقابل، لا يصحّ تقديمه بوصفه ضحية سياسية ومالية لأنه بعيد عن الفتنة. ثمّة حقائق لا يمكن القفز فوقها، ولا تدويرها بالنفاق أو صناعة الأبطال من نسج الوهم. وهذه الظاهرة لا تخصّه وحده، بل تطاول عدداً من الزعامات داخل المعادلة اللبنانية، حيث يتحوّل الخطاب السياسي إلى صناعة سرديات بطولية تعوّض عن غياب الإنجاز البنيوي.

عُزل سعد الحريري بقرار سعودي مباشر من محمد بن سلمان. لم يكن الأمر مرتبطاً برفضه الفتنة، ولا بتضحية شخصية في سبيل جمهوره أو لبنان، بل بتشابك موقعه مع خصوصيات داخلية في بنية الحكم السعودي، وارتباطه بفريق خالد التويجري وأبناء الملكين فهد بن عبد العزيز آل سعود وعبد الله بن عبد العزيز آل سعود. يضاف إلى ذلك الانهيار المالي في شركة سعودي أوجيه، الذي لم يكن تفصيلاً عابراً، بل محطة مفصلية في مسار تراجعه السياسي. أما تصويره ضحية من أجل لبنان ووحدته، فهو سردية يعلم هو نفسه حدودها أكثر من غيره.

رفع تيار المستقبل هذا العام شعار «تاريخنا إلو مستقبل» في ذكرى اغتيال رفيق الحريري، في محاولة لإعادة تعويم خطاب المظلومية. صحيح أنّ اغتيال رفيق الحريري جريمة مدانة وغير مبرّرة بأي شكل، لكن ذلك لا يحجب حقيقة أنّ «الحريرية السياسية» التي أسسها الرجل وأدارها لسنوات، أسهمت في تكريس نموذج اقتصادي ريعي، راكم الدين العام، وأضعف مؤسسات الدولة لمصلحة شبكة مصالح مالية ومصرفية. كما أنها نسجت، في مرحلة طويلة، أسوأ أشكال الشراكة مع النظام السوري، فأغلقت بيوتاً سياسية وطنية، وشرعنت الهدر والفساد، وضربت القطاعات المنتجة، وصاغت قوانين انتخابية وتشريعية على قياس المنظومة لا على قياس الدولة.

لا يمكن تبرير القرار السعودي بعزل سعد الحريري، لكن لا يمكن أيضاً أن تُبنى عودته إلى الحياة السياسية على خطاب الضحية الوطنية. فالتزامه الصريح بمفاعيل القرار السعودي يجرّده من أي ادعاء مكتمل بالسيادة تحت شعار «لبنان أولاً». السيادة ليست شعاراً يُرفع في ساحة، بل موقفاً يُمارس حين تتعارض المصالح.

بعد أكثر من واحد وعشرين عاماً في الشأن العام، لم يظهر تحوّل نوعي في خطاب سعد الحريري أو أدواته. لا يزال يعتمد على العاطفة والوعود وصناعة الأمل المجرد من البرنامج البنيوي. وحتى خطابه في ساحة الشهداء بدا محكوماً بسقوف واضحة، تجنّب فيها مقاربة ملفات حساسة، وفي مقدمها العدوان الإسرائيلي المستمر، بما يعكس هامش الحركة المتاح له إقليمياً.

عاد سعد الحريري إلى لبنان مثقلاً بقيود وعقوبات سياسية " سعودية " ، ليحاول فتح باب العودة إلى الحياة العامة. غير أنّ جمهوره الذي يخاطبه بشعار «لبنان أولاً»قدم مسبقا وبشكل فج وفاضح أوراق اعتماده وولائه لسوريا احمد الشرع بعد ان قدمها سابقا لأعوام لسوريا حافظ الاسد ، مع فارق بسيط ان الشرع نفسه حتى الان غير مهتم بهذه الأوراق او بالحد الادنى لم ينظر اليها بعد ..

المسألة، في جوهرها، ليست شخص سعد الحريري، بل نموذج سياسي كامل بلغ نهاياته الطبيعية. لبنان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج سرديات البطولة ولا إلى استعادة مظلوميات مؤدلجة، بل إلى مراجعة شجاعة تعترف بالكلفة التي دفعتها الدولة تحت عناوين براقة. من دون هذه المراجعة، ستبقى العودة مجرد حركة في الفراغ، وسيبقى الشعار أعلى من الفعل.

في السياسة، لا يُقاس القادة بحجم التعاطف الذي يثيرونه، بل بقدرتهم على بناء دولة سيدة، منتجة، وعادلة. وكل ما عدا ذلك، مهما ارتفعت نبرته، يبقى صدى لمرحلة مضت أكثر مما هو أفق لمرحلة تُبنى.

عباس المعلم - كاتب سياسي