عبد الحميد كناكري خوجة: بإصرار كالإعصار، وعزيمة لا تعرف الهزيمة، طهران تدرأ عن أمتنا الإسلامية شر الأذى والأسى والشظى واللظى والعدوان، بكل شجاعة وعنفوان.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: بإصرار كالإعصار، وعزيمة لا تعرف الهزيمة، طهران تدرأ عن أمتنا الإسلامية شر الأذى والأسى والشظى واللظى والعدوان، بكل شجاعة وعنفوان.

” في مشهد تتعانق فيه السيادة مع الصلابة، والكرامة مع المقاومة دون مساومة، تثبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن الدول العظيمة لاتعرف الهزيمة ولا ترهب العدوان، ولا تكسر بالنيران بل تزداد بالمحنة رسوخا، وبالتحدي تألقا، وبالتضحيات مجدا وامتداد."

ليست طهران عند الملمات، دولة تتلقى الضربة ثم تتراجع إلى ظلال الوجع، بل كيان سيادي يحول الامتحان إلى بيان، والاستهداف إلى استنهاض، والضغط إلى برهان. وهنا مكمن الثناء المقنع: فمدح مناقب طهران لا يصدر عن انفعال عابر، بل عن قراءة تحليلية منطقية ترى أن الدولة الكبيرة تعرف برباطة مؤسساتها، واتزان قرارها، وتماسك مجتمعها، وقدرتها الجبارة على منع وتأديب المعتدي من تحويل النار إلى انهيار.

ومن هذه الزاوية، تبدو إيران مثالا يحتذى به لدولة شامخة تمتص الصدمات من غير أن تفقد توازنها وتواجه التهديد من غير أن تفرط في سيادتها.

إن امتداح هذا البلد، في هذا المقام، يقوم أولا على معنى الدولة لا على حرارة الخطاب. فالأوطان الراسخة لا تختبر حين تصفو السماء، بل حين تتكاثف الغيوم ويشتد العصف. وهناك يظهر الفرق بين بنية رخوة تذوب عند أول رجة، وبنية صلبة تستوعب الضربة ثم تعود أشد تماسكا. وهذا ما جعل طهران في نظر كثيرين، عنوانا لمناعة سياسية ومؤسساتية؛ إذ لم تبدو مرتبكة، بل ظهرت في صورة الشريك الوفي الذي يدير الأزمة بعقل إستراتيجي، وبصيرة تقرأ المآل، وإرادة لا تسمح بتحويل الجرح إلى كسر.

ويقوم هذا الثناء ثانيا، على منطق الردع لا على غواية العدوان. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنذ توهج جذوة ثورة 1979 لم تبني مكانتها على حب الفوضى، بل على معادلة واضحة. السيادة لا تصان بالتمني، و الإستقلال لا يمحى بالخطابة وحدها. لذلك بدأ ثقلها الدفاعي الذي أدهش العالم بأسره والعدو قبل الصديق، بما يرمز إليه من جاهزية وانضباط، جزءا من هندسة الحماية لا من عبث المغامرة. والفرق جلي واضح بين من يجعل القوة مطية للبطش، ومن يجعلها سورا منيعا يصد الاستباحة ويمنع الإذلال. ومن هنا رأى كثيرون في ثباتها دليلا على أن العدوان قد يطال البنيان لكنه يعجز عن إصابة المعنى إذا كان المعنى مسنودا بإرادة الجماهير ورسوخ المؤسسات.

أما الأساس الثالث، فهو التلاحم بين الدولة والمجتمع. فالسلاح مهما تعاظم يظل ناقص الأثر إن لم يسنده شعب يشعر أن كرامته من كرامة وطنه، وأن صون الأرض من صون العرض وصون الهوية والذاكرة والمستقبل.

وهنا تبدو إيران في عين المراقب، تجربة لا يقتصر ثباتها على القرار الرسمي، بل يمتد إلى نسيج إجتماعي يرى في المحنة امتحانا للوفاء لا مناسبة للتفكك. لذلك كثيرا ما تخرج الأزمات هناك بصورة معاكسة كليا لما يريده الخصوم: ضغط يراد به الإضعاف، وإذا به يظهر المزيد من التكاتف؛ واستهداف يراد به الوهن، فإذا به يكشف معدنا أصيلا أصلب وأرسخ.

والأساس الرابع هو العمق الحضاري والرمزي. فإيران ليست مجرد ملف أمني عابر، بل بلد ذو ذاكرة عميقة، وإرث حضاري، وحضور متجذر في معادلات الإقليم. ولهذا فإن صمودها الأسطوري لا يقرأ لا يقرا فقط بلغة السياسة، بل بلغة التاريخ:

كيف تحفظ الأمم الكبرى موقعها حين تستهدف، وكيف تصوغ من وجعها معنى، ومن محنتها مسارا، ومن خسارتها درسا في البقاء. وفي هذا السياق يحضر الوفاء لرجال كبار اقترنت أسماؤهم بمحطات مؤثرة في الوعي السياسي، كما يأتي الترحم على الراحلين من قادتها العظماء بوصفه اعترافا بمقامهم في الذاكرة العامة. ولا ينفصل هذا كله عن المشهد الأوسع في المنطقة؛ من جنوب لبنان العظيم وأهله الجبابرة الأشقاء بما يمثله من ذاكرة صبر، إلى فلسطين الأبية بما تجسده من قضية لا تبلى. فحين تذكر طهران هنا، فإنها تذكر بوصفها جزءا من خطاب أوسع عن الكرامة والرجولة والشرف والنخوة و البطولة والسيادة ورفض الإخضاع. لا لأن الأمكنة تتطابق، بل لأن المعنى يتقاطع: حق لا ينبغي أن ينسى، وشعوب لا يجوز أن تفقد ذاكرتها تحت وطأة قهر المعتدي الصهيو_امبريالي ومن دار حول فلكه، أو ضجيج الخنوع والخضوع والتطبيع.

نعم، هكذا يكون الثناء على هذا البلد، ثناء على صلابة البنية، واتزان الرؤية، وتماسك الداخل، ووضوح البوصلة. إنها، في نظر مؤيديها، دولة لم ولن تجعل من المحنة مبررا للإنهيار، بل مناسبة لإظهار روعة الرسوخ؛ ولم تسمح لأي شكل من أشكال العدوان أن يختطف معناها، بل جعلت منه شاهدا على أن الأمم الكبيرة قد تتألم، لكنها لا ولن تتلاشى كما يريد لها أعداءها من طواغيت الإستكبار العالمي، وقد تنزف، لكنها أبدا لايعرف قاموسها معنى الإنحناء.

ومن هنا تبقى عاصمة الأصالة، ومن نقشت آيات القرآن بماء الذهب والمسك والعنبر والريحان، في هذا التصور، أكثر من عاصمة: بل رمزا لدولة عظمى تعرف كيف ترد الأذى والأسى، والشظى واللظى من غير أن تفقد هيبتها، وكيف تصون كرامتها من غير أن تفرط في عقلها، وكيف تثبت أن السيادة، حين تسكن وجدان شعب، تصبح أقوى من العاصفة وأصلب من الفولاذ وأبقى من رهانات الشامتين والحاقدين والطائفيين ومن كل الرهانات الخاسرة الخاسئة الحسيرة.

كاتب ومفكر سوري خارج الوطن.