تشهد منطقة الشرق الأوسط حرب كبرى،لاتتغير فيها الجبهات العسكرية فقط، بل تتبدل معها خرائط النفوذ والتحالفات. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وضرب مصادر الطاقة وإغلاق مضيق هرمز فتحتا الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الدولي في الشرق الأوسط، مرحلة لم تعد فيها واشنطن اللاعب الوحيد القادر على فرض إيقاعه السياسي والعسكري. العالم يتجه تدريجياً نحو نظام أكثر تعقيداً، تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى، وتظهر فيه نقاط ضعف كانت مخفية في السنوات الماضية.
بينت هذه الحرب بأن روسيا الرابح المالي والسياسي المباشر .
إغلاق مضيق هرمز يعني شل نحو 20% من صادرات النفط العالمية، وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. روسيا، أكبر مصدّر للنفط والغاز، تجني أرباحاً ضخمة، تعزز ميزانيتها وتمكّنها من تمويل أجندتها العسكرية العالمية، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا. كما أن الأزمة تضغط على أوروبا لتعيد التفاوض حول الغاز الروسي، ما يعيد موسكو إلى موقع السيطرة على السوق الأوروبية. إضافة إلى ذلك، تصبح الممرات البديلة التي تتحكم فيها روسيا، من القطب الشمالي إلى خطوط الأنابيب عبر آسيا الوسطى، ممرات استراتيجية تعزز نفوذها العالمي دون مواجهة مباشرة.
أما الصين، المستورد الأكبر للطاقة، تتعامل مع الأزمة بمنطق مختلف. أي اضطراب في الخليج يزيد من انشغال الولايات المتحدة في المنطقة، ويمنح بكين حرية التحرك في آسيا وأماكن أخرى. الصين تبحث عن مصادر طاقة بديلة ومستقرة، مما يعزز نفوذها في إيران ودول آسيا الوسطى ويدعم مشاريعها الكبرى ضمن “الحزام والطريق”. وعلى الرغم من ضغوط الأزمة على سوق الطاقة، تستطيع الصين التفاوض لعقود طويلة الأمد بأسعار ثابتة، مؤمنة لنفسها موارد استراتيجية على المدى الطويل، ما يمنحها قوة اقتصادية وسياسية مزدوجة بعيداً عن الصراعات المباشرة.
وفي ظل هذه المعطيات يبدو بأن هذه الحرب ستحقق تحولات النظام الإقليمي والدولي
الحرب وضعت الدول العربية أمام اختبار صعب هل ما زالت المظلة الأمنية الأمريكية قادرة على حماية المنطقة؟ أم أن التوازنات الدولية الجديدة تفرض البحث عن شركاء آخرين؟ التجربة الأخيرة تظهر أن الاعتماد المطلق على واشنطن قد يكون في طريقه للنهاية، وأن التنويع في الشراكات الدولية مع قوى مثل روسيا والصين أصبح ضرورة استراتيجية، سواء في مجالات الطاقة أو التكنولوجيا أو التعاون المحدود عسكرياً.
في هذا المشهد، تعيد إيران تحديد موازين القوى الإقليمية، فيما تسعى بعض الأطراف الإقليمية إلى إعادة صياغة حضورها السياسي والعسكري، مستفيدة من تعقيدات الوضع الإقليمي الجديد لذلك يجري العمل على إثارة التوترات الطائفية وتعميق تأثيرها، رغم أن هذا الصراع يتجاوز الانقسامات المذهبية، وأن التحديات الكبرى تتطلب قدرا أكبر من التقارب بين المكونات المختلفة.
بينما ينهار العالم أمام ارتفاع الأسعار ونقص الطاقة، تتحرك روسيا والصين بخطى ثابتة الأولى تجني المال والنفوذ المباشر، والثانية تؤمن مستقبلها الاستراتيجي. حرب الظل في مضيق هرمز لا تهدد مصالحهما فقط، بل تحوّل الصراع الإقليمي إلى أداة تحكم عالمية، وتجعل من الأزمة فرصة ذهبية للطرفين، معيدة صياغة قواعد لعبة الطاقة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين .