-ذكر المؤرخ الأميركي، ألفرد ماكوي، في حديثه عن تشكُّل الأنظمة الدولية وسقوط الإمبراطوريات، ودورة حياة الأنظمة العالمية: أن القوة العالمية والإمبراطوريات ليست ثابتة، بل هي أنظمةٌ تصعدُ وتستقرُّ، ثم تنهارُ نتيجةَ ضغوطٍ داخليةٍ وخارجية، وأنَّ الِانتقالَ من نظامٍ عالميٍّ إلى آخرَ لايحدثُ بهدوء، بل غالبا"ما يكون نتيجةَ تغيُّراتٍ كارثيةً(حروبٌ كبرى، أوبئة أو كوارث بيئية)،من الإمبراطورية الإسبانية الى البريطانيةِ، الى عصر الهيمنةِ الأميركية، وكيف ورثت الولايات المتحدة القيادةَ العالميةَ بعد الحربِ العالميةِ الثانية، معتمدةً على القوةِ العسكرية، أمام هذا الواقعِ تواجهُ الولاياتُ المتحدةُ الأميركيةُاليومَ تحدِّياً وجودياً،من الصين تحديداً،ومامبادرة"الحزم والطريق"،إلَّا محاولةٌ لصياغةِ الجغرافيا السياسيةِ عبر رابط أسيا وأوروبا وأفريقيا، بقوةٍ بَرِّيَّةٍ وبحرية.
-وما الحربُ الأميركيةُ الايرانيةُ اليومَ، سوى صراع ٍ"ظل"،لرسم شكلِ خريطةِ الشرقِ الأوسطِ الحالية، بعد استنفادِ الصراعِ غير المُعْلَنِ بين أميرِكا وإيران، والذي استمرَّ لِأكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ: منذُ قيامِ الثورةِ الإسلاميةِ عامَ1979، حيثُ اعتبرَ المؤرخُ الأميركيُّ، ديفيد كريست، أنَّ الأخطاءَ الإستراتيجيةَ التي ارتكبتها الاداراتُ الأميركيةُ المتعاقبةُ، في تعاملها مع النظامِ الايراني، أدّت الى استمرارِالصراعِ بينَ الدولتَيْنِ والوصول الى الحرب. -ما بين"اليد الممدودةوالقبضة
المغلقة"للإستراتيجية الايرانية الثابتةِ للتعاطي مع السياسة الخارجيةِ الأميركية،كانت لكل إدارة أميركية تجربَتُها مع إيران، فقد حاولت الإداراتُ الأميركيةُ المتعاقبةُ جذبَها وإعادتَها إلى المعسكرِ الغربيّ ،أو الحديث عن استبدالِ بالجمهوريةِ الاسلاميةِ دَولةً أُخرى تروق أكثرَ لِواشنطن، ولكنَّ النتائجَ جاءتْ يائسةً دَوْما" في التحليلِ النهائِيِّ،وترفضُ إيران ببساطة، أي رؤيةٍ لشرقِ أوسطٍ تفرضهُ ادارةُ الولاياتِ المتحدةِ، وتحضرُ هُنا عبارةٌ شهيرة ٌكتبها الإمامُ أيةُ اللهِ الخمينيُّ تُلَخِّصُ الأمر، وهي :"سوفَ نقاومُ أميركا حتى الرمقِ الأخير"،للأسف ساعدت واشنطن على إدامةِ العداء، واستَخَفَّتْ بِالمظالِم .
-انها الحرب في بعدها العالمي، حيث الصين وروسيا تدعمان ايران بلا تورُّط... وكما قال "مايكل هورو فيتز " المنطقُ الإستراتيجيُّ وراءَ الموقفِ الصينيّ الروسيّ من ايران، هو أن بِّكين وموسكو لا تشاركانِ المصالحَ على نحوٍكامل، فانَّ لكلٍّ منهما دوافعَ عمليةً تدفعُهُ إلى مساعدةِ إيرانَ في حربِها ضدَّ الولاياتِ المتحدةِ الأميركية . -أما وإنَّ الحربَ قد وقعتْ بينَ الدولتَيْنِ، ومهندِسَيْ الحربِ: ترامب ونتنياهو، يخوضانِها دونَ هوادة، فخاضت إيرانُ حربَ استنزافٍ بكلِّ قوةٍ ضِدَّ "سيِّدَي الصفقات"،وبقوتها العسكرية وبصيرتها وجهتْ ضربة قاصِمةً لِلاقتصادِ العالميِّ، كسلاحٍ ذي حدَّيْنِ، يُلزِمُ الأعداءَ بالرضوخِ لقوتها،من خلال تهديدِها بإقفالِ مضيق هرمز، ووسَّعت ساحةَ القتالِ عبرَ محورِ المقاومةِ الممتدِّ من غزةَإلى لبنانَ والعراقِ واليمن، فالحربُ رغمَ توسُّعِها الإقليمي، تبقى القدسُ هي البوصلة، و"وحدةُ الساحات" ركيزةٌ استراتيجيةٌ مهمة، وأرادت أن تصنع من نتنياهو "عازفَ المزمارِ من هاملين"، الذي يقود شعبه نحو الهاوية، بدلاً من تحقيق اسرائيل الكبرى.
فسياسةُ نتن ياهو أفقدتِ المجتمعَ الإسرائيليَّ تماسُكَهُ وأدّتْ إلى تراجُعِ مكانَتِهِ في إسرائيل، بل وحتى في الولاياتِ المتحدة، إلى حدٍّ يُمكنُ أنْ يشكِّلَ تهديداً استراتيجياً،ورُبَّما وجُودياً لِإسرائيل .
فهذهِ الحربُ لم تحقِّقِ الأهدافَ الثلاثةَ الكبرى، وهي لاتزال باقية : ١-النظامُ الايرانيُّ باقٍ . ٢-كذلك الصواريخُ البالستيةُ والبرنامجُ النوويُّ أيضاً. ٣-وحدةُ الساحاتِ هيِ الأُخرى باقية، وتزدادُ تماسُكاً، ورُبَّما اتِّساعاً، ومحورُ المقاومةِ من غزَّةَ الى اليمنِ باق.
أمّا مضيقُ هرمزَ الذي اعتبرَهُ البعضُ سيفَ عليٍّ، ذا الفقار، وإمساكُ إيرانَ بِهِ جعلَها في يومِنا هذا،قوةً صاعقةً في مواجهةِ الإمبراطوريةِ الأميركية، فلم يَعُدْ يُمثِّلُ مَعْلماً جغرافياً وحسب، بل مِفْصلاً إستراتيجياً يستندُ إليهِ استقرارُ أسواقِ الطاقةِ العالمية، ومضيقاً يهزُّ العالم .
والقوةُ العسكريةُ الإيرانيةُ،بقيادةِ الحرسِ الثوريِّ، وقدرتُها على التَّحكمِ بِمضيق هرمز ومضيق باب المندب،وتحالُفُها مع الصين وروسيا، فرَضَ واقعاً جيوسياسياً جديداًيتجاوزُ القُدراتِ العسكريةَ التقليديةَ لواشنطن، وأمامَ هذا الواقعِ تنطلقُ ايرانُ من مبادئَ خاصةٍ ومُمَيَّزة في فَنَّي الحربِ والدبلوماسية، تستمِدُّها من ملهمِها وقائدِها الإمامِ عليٍّ(ع).
أولاً: لا انسداد في الأفقِ بعدَ فشلِ مفاوضاتِ "إسلام أباد" فالمسارُالتفاوضيُّ لايزالُ مفتوحاً على جولاتٍ أكثرَ واقعية،وسيبقى مضيقُ هرمزَ السيفَ الذي تهزُّ به إيرانُ الِاقتِصادَ العالَميّ؛ فإيرانُ تعتمدُ"المرونةَ الإستراتيجيةَ"، وتحاولُ قَدْرَ الإمكانِ تَجَنُّبَ التصعيدِ":اذا قدِرْتَ على عدوِّك فاجعلِ العَفْوَ عنهُ شُكراً للقدرةِ عليه" ... وإذا جَنَحوا لِلسَّلْمِ فاجنحْ لها ".
إنَّها قِمَّةُ"الدبلوماسيةِالأخلاقية" مَعَ التَّحقُّقِ من التزامِ العدوِّ بالشروط،أي عدمُ رفضِ مبادراتِ السلام،"ولا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم ...فإنَّكُم بحمدِ اللهِ على حُجّةٍ"...
هذه ثقافةُ إيرانَ الدبلوماسية، لذلك، نحنُ أمامَ اختبارٍ حقيقيٍّ لِلِانتِقالِ منْ "منطقِ الشروط"، إلى "منطقِ التسويات"ومن "إدارةِ الصِّراعِ " إلى "منطقِ الِاحتِواء"، وستكونُ أميرِكا أمامَ"تفاوضِ الهزيمةِ" و"هزيمةِ التفاوض".
-ثانياً: ترامب أمامَ فشلٍ ظاهرٍفي "الخارج"،وعزلٍ في "الداخل"،إن هو أرادَ حرباً فستكونُ الحربُ مِفصليةً، وستكونُ أميركا أمامَ "قَوْمِ المشرقِ، سُيوفُهُم على عواتِقِهِم، فَيُعْطَوْنَ ما سألوهُ، فلا يَقْبَلُونَهُ".
إيرانُ تلتزمُ بوصايا قائدها: "وعليكَ التَّأنِّيَ في حَرْبِك، وإيَّاكَ والعَجَلَةَ، إلَّا أنْ تُمْكِنُكَ فُرصةٌ...". إيرانُ لا تستعجلُ الحربَ، ولكنْ تخوضُها إنْ فُرِضَتْ، ووَحدةُ المحورِ تُلازِمُها:
"فاذا نَزَلْتُمْ(إلى الحربِ) فانزِلوا جميعاً،واذا ارْتَحَلْتُمْ فارْتَحِلوا جميعاً..."،وستكونُ النتيجةُ نصراً مِنَ اللهِ وفتحاً قريبا. - انهاحُروبُ"الخنق الإستراتيجيّ" مِنْ خِلالِ حِصارِ أميرِكا البَحرِيِّ لِلمَضيق، الذي يهدفُ لِتَجفيفِ منابعِ الطاقةِ العالميةِ للقوى السياديةِ: بكين وموسكو والهند واليابان والكوريتينِ : الشماليةِ والجنوبية؛وأغلبُ دُوَلِ أوروبا في مرمى حصارٍطاقَوِيٍّ واستراتيجيةٍ مُمتزجةٍ هَدَفُها استيلاءُ أميرِكا على "خزانات الطاقة العالمية" من أجل :
١- ضربِ قلبِ الصناعةِ الصينية. ٢-وضعِ الصينِ تحتَ "رحمةِ الطاقة الأميركية ".
٣-والهدفُ الأهمُّ: استيلاء أميرِكا على مِفتاحِ التَّحَكُّمِ بِنُمُوِّ بِّكين الاقتصادي . ٤-تطويقُ روسِيا طاقَوِيا"، بِاستهدافِ ڤِنزويلا وايرانَ لِكَسْرِ التوازنِ الذي تفرُضُهُ روسيا، في سوقِ الطاقةِ العالميّ.
-في الختام: أميركا في المأزقِ الإستراتيجيِّ الكامل، وإيرانُ في موقعِ القوةِ المطلقةِ، وكما عَبَّرَ "سميث": انحرفتٍ السياسةُ الخارجيةُ للولاياتِ المتحدةِ عنِ الوعدِ الأميركيِّ الأصلِيِّ القائمِ على نشرِ الديموقراطيةِ والتعاونِ الدَّوْلِيّ،إنَّهاالإمبرياليةالتي تسعى لِلهيمنةِ الأُحادِيَّة، بِاستعمالِها القوَّةَ العسكريةَ وَسيلةً مُثْلى لِنشر القيمِ الدَّيموقراطيةِ، من دونِ أنْ تُلْزِمَ نفسَها وحِلفها بِها، فتحَوَّلَ إلى "حلف الشيطان"، وسقطتْ أميرِكا في هندسةِ نتن ياهو، نبيِّ الصهيونيَّةِ، لِلدُّوَلِ والمُجتَمَعاتِ لِخِدمَةِ الصِّهيونيَّةِ العالمية.
وهذه السياسةُ الأنانيَّةُلِلسَّيطرةِ المطلقةِ تُدَمِّرُالِاستِقرارَ العالمي، إذْ نَقلَتِ الحربَ بينَ الدولتَيْنِ،مِنْ "حربِ الظِّلِّ " أو "الصِّراعِ غيرِ المُعلنِ، بسبب الأخطاءِ الاستراتيجيةِ التي ارتكبَتْها الاداراتُ الأميركيةُ المتعاقبةُ، في تعامُلِها معَ النظامِ الإيرانِيِّ إلى حربٍ مُباشَرَة.
وإذا ذهبنا بِاتِّجاهِ "تقويمِ مفهومِ توازُنِ القُوّة "،فالنظامُ القديمُ سيكونُ مِنَ الماضِي، والبديلُ سَيَغرَقُ في بحرٍ منَ الأزماتِ والحروب،حتى نصلَ إلى تطوُّرٍ واضحٍ لِلْمُستقبل، وسنكونُ أمامَ نظامٍ عالَميٍّ يقومُ على المشكلةِ،وتتعاونُ أقطابُهُ الأربعةُ دَوليا"،عبر المروربمراحلرانتقاليةٍ مُعَيَّنَة، وستَرْسُمُ إيرانُ،بِسياستِها وقوَّتِها المُستقبليةِ، أنْ تكونْ القطبَ الرابعَ عالمياً، و"قِبْلةً إقليميةً دوليةً " في النظام العالمي الجديد.