كتب: موسى عبّاس
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا المُقَاوِمُ وَصِيَّتَهُ تَحْتَ وَطْأَةِ البَرْدِ وَزَخَّاتِ المَطَرِ، يُسَطِّرُ بِدَمِهِ حَقِيقَةً وُجُودِيَّةً تُعِيدُ صِيَاغَةَ مَفَاهِيمِ الِانْتِمَاءِ: أَنَّ الفِعْلَ المُقَاوِمَ لَيْسَ "وَظِيفَةً" وَلَا "نَزْوَةً"، بَلْ هُوَ انْصِهَارٌ كَامِلٌ بَيْنَ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالوَاجِبِ الوَطَنِيِّ الرَّفِيعِ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُذِيقُونَ العَدُوَّ اليَوْمَ صُنُوفَ الهَزَائِمِ، لَا يُحَرِّكُهُمْ طَمَعٌ مَادِّيٌّ وَلَا ارْتِهَانٌ لِزَعِيمٍ، بَلْ يَقِينٌ بِأَنَّ الأَرْضَ لَا يَحْمِيهَا إِلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، فِي زَمَنٍ سَقَطَتْ فِيهِ السُّلْطَةُ الرَّسْمِيَّةُ فِي فَخِّ الخُنُوعِ وَالِارْتِهَانِ لِلإِمْلَاءَاتِ الأَمْرِيكِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ عَنَّا حَتَّى حَقَّ الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ.
— أَشْرَافُنَا وَحْدَهُمْ: النُّخْبَةُ الَّتِي تَصْنَعُ التَّارِيخَ:
إِنَّ هَؤُلَاءِ المُجَاهِدِينَ الأَبْطَالَ هُمْ قَلْبُ المُجْتَمَعِ وَعَقْلُهُ، فَالمُقَاوَمَةُ اليَوْمَ هِيَ خِيَارُ "الأَشْرَافِ" الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ السَّيْفِ وَالمِحْرَاثِ وَالقَلَمِ. هُمْ الأَطِبَّاءُ وَالمُهَنْدِسُونَ وَأَسَاتِذَةُ الجَامِعَاتِ وَالعُمَّالُ الَّذِينَ غَادَرُوا لِيُصَمِّمُوا خُطُوطَ الدِّفَاعِ بِوَعْيٍ وَعِلْمٍ. فِي صُفُوفِهِمْ تَجِدُ الثَّرِيَّ الَّذِي هَجَرَ رَغَدَ العَيْشِ، وَالفَقِيرَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ كَرَامَتَهُ بِرَغِيفٍ. هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يُجَسِّدُونَ "العُلَا" الحَقِيقِيَّ، فَلَا نَعْرِفُ عَنْ عَظِيمِ مَكَانَتِهِمُ العِلْمِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَرْتَفِعُوا شُهَدَاءَ، لِيُثْبِتُوا أَنَّ المُقَاوَمَةَ هِيَ فِعْلُ وَعْيٍ وَنَخْوَةٍ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَدِّ فِعْلٍ.
— لَيْسَ كُلُّنَا لِلْوَطَنِ.. بَلْ مَنْ صَانَ قِيَمَهُ:
لَقَدْ آنَ الأَوَانُ لِقَوْلِ الحَقِيقَةِ كَمَا هِيَ:
لَيْسَ كُلُّنَا لِلْوَطَنِ. فَالمَوْطِنُ لَيْسَ مِسَاحَةً جُغْرَافِيَّةً يَسْكُنُهَا الجَمِيعُ، بَلْ هُوَ قِيمَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ لَا يَنْتَمِي إِلَيْهَا إِلَّا الأَوْفِيَاءُ.
• الخَائِنُ الَّذِي يُبَرِّرُ لِلْمُحْتَلِّ مَجَازِرَهُ لَيْسَ لِلْوَطَنِ.
• البُوقُ الَّذِي يَطْعَنُ المُقَاوِمَ فِي ظَهْرِهِ لِيَحْمِيَ مَلَذَّاتِهِ لَيْسَ لِلْوَطَنِ.
• الَّذِي يَلْهَثُ خَلْفَ التَّفَاوُضِ المُذِلِّ وَيَرْهَنُ قَرَارَنَا لِلأَمْرِيكِيِّ أَيّاً كَانَ مَوْقِعُهُ لَيْسَ لِلْوَطَنِ.
—أَشْرَافُنَا وَحْدَهُمْ هُمْ لِلْوَطَنِ؛
هُمْ "لِلْعُلَا، لِلْعِلْمِ، لِعِزَّةِ الحَيَاةِ وَالقِيَمِ".
هُمْ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ بِصُدُورِهِمُ اسْتِبَاحَةَ الأَرْضِ، بَيْنَمَا يَكْتَفِي غَيْرُهُمْ بِبَيَانَاتِ التَّخَاذُلِ وَالتَّآمُرِ المُسْتَمِرِّ مُنْذُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ.
— عَجْزُ السُّلْطَةِ وَضَرِيبَةُ السِّيَادَةِ
أَمَامَ سُلْطَةٍ ارْتَضَتْ أَنْ تَكُونَ خَاضِعَةً لِمَشِيئَةِ مَنْ يُرِيدُونَ لُبْنَانَ جَيْشاً مُكَبَّلاً وَشَعْباً أَعْزَلَ، بَرَزَ هَؤُلَاءِ الأَحْرَارُ كَبَدِيلٍ وَطَنِيٍّ شَرْعِيٍّ ،لَقَدْ قَرَّرُوا أَنْ يَصْنَعُوا بِأَيْدِيهِمُ القُوَّةَ الَّتِي تَكْسِرُ "الكَيَانَ الغَاصِبَ"، مُؤْمِنِينَ بِأَنَّ السِّيَادَةَ لَا تُطْلَبُ مِنَ السِّفَارَاتِ، بَلْ تُنْتَزَعُ فِي المَيْدَانِ. إِنَّ مَنْ يَذْهَبُ لِلتَّفَاوُضِ المُبَاشِرِ اليَوْمَ لَا يُمَثِّلُ الغَالِبِيَّةَ الَّتِي قَدَّمَتْ فِلْذَاتِ أَكْبَادِهَا، بَلْ يُمَثِّلُ فِئَةً لَا تَعْنِيهَا الكَرَامَةُ الوَطَنِيَّةُ بِقَدْرِ مَا يَعْنِيهَا إِرْضَاءُ أَسْيَادِهَا.
— عَهْدُ الوَفَاءِ لِلأَشْرَافِ
سَيَبْقَى لُبْنَانُ عَزِيزاً مَا دَامَ فِيهِ رِجَالٌ يَخْتَصِرُونَ نَبْضَ حَيَاتِهِمْ فِي لَحْظَةِ الصِّفْرِ، وَيُسَلِّمُونَ أَمْرَهُمْ لِلْخَالِقِ، مُتَمَسِّكِينَ بِسِلَاحِهِمْ وَمِعْوَلِهِمْ وَقَلَمِهِمْ. هَؤُلَاءِ هُمْ حُرَّاسُ الحُلْمِ وَالسِّيَادَةِ، أَمَّا المُتَخَاذِلُونَ وَالطَّاعِنُونَ فَسَيَذْهَبُونَ كَمَا ذَهَبَ أَسْلَافُهُمْ إِلَى مَزَابِلِ التَّارِيخِ.
الوَطَنُ لِلأَشْرَافِ وَحْدَهُمْ.. وَالعِزَّةُ لِمَنْ قَرَنَ العِلْمَ وَالعَمَلَ بِالجِهَادِ، وَالسِّيَادَةُ لِمَنْ حَمَاهَا بِالدَّمِ.