ثمة مفارقة تكاد تختصر اضطراب العالم اليوم: كلما اتسعت الحروب، ضاقت الجغرافيا التي تتحكم بمصائرها. عند مضيق هرمز، مساحة بحرية تبدو على خرائط القوى الكبرى أضيق من طموحاتها بكثير، يتكدّس انسداد الأفق السياسي والعسكري والإقليمي والدولي. هناك، لم يعد المضيق مجرد معبر للطاقة والسفن، بل تحوّل إلى عنق زجاجة للنظام الدولي نفسه؛ مساحة محدودة تستطيع أن تربك أسواق العالم، وتعيد حسابات العواصم، وتضع القوة العسكرية أمام حدودها السياسية. كأن النظام الدولي الذي اعتاد إدارة الكوكب من غرف واسعة، بات محشورًا في ممر ضيق، لا يعرف كيف يعبره من دون حرب، ولا كيف يتراجع عنه من دون خسارة. ولهذا فإن ما يجري عند هرمز لا يوحي بولادة نظام عالمي جديد بقدر ما يكشف تصدّع النظام القديم وعجزه عن إنتاج بديله؛ عالم يميل إلى السقوط أكثر مما ينجح في إعادة التشكّل.
وعلى الضفة الأخرى من هذه المفارقة، في جنوب لبنان، ثمة ما يشبه «مضيقًا بريًا» اسمه مرتفع علي الطاهر. تلة محدودة في حساب المساحة، كان يمكن في جغرافيا أخرى أن تكون منتزهًا عامًا أو نقطة عابرة على خريطة، لكنها تحولت بفعل موقعها ووظيفتها الميدانية إلى عقدة تختبر عندها إسرائيل حدود القوة. إسرائيل التي دخلت سنوات الحرب الأخيرة بخطاب إعادة رسم الشرق الأوسط، وتوسيع المجال الاستراتيجي، وكأن خرائط الشام وبغداد وأنقرة وما وراءها قابلة لإعادة الهندسة تحت ضغط تفوقها العسكري، تجد نفسها اليوم أمام جغرافيا أصغر بكثير من أحلامها: تضاريس ومسارات ومرتفعات تحاصر القرار قبل أن تحاصر الجنود. وهنا تصبح المفارقة قاسية؛ فالقوة القادرة على ضرب آلاف الكيلومترات قد تعجز عن حسم مئات الأمتار عندما تتحول الأرض نفسها إلى عنصر قتال.
الأخطر بالنسبة إلى نتنياهو أن علي الطاهر لم يعد مجرد هدف ميداني، بل امتحانًا لرواية النصر الإسرائيلية برمتها. فما راكمته إسرائيل خلال ثلاث سنوات من حروب واغتيالات ودمار واختراقات أمنية كان يفترض أن يتحول في نهايته إلى رصيد سياسي يعيد صياغة توازنات المنطقة. لكن القوة لا تُقاس بما تستطيع تدميره فقط، بل بما تستطيع تثبيته بعد الدمار. وهنا تكمن العقدة: أن تصل آلة عسكرية هائلة إلى مرتفع محاصر بالنار جوًا وبرًا، ثم تجد أن السيطرة عليه أو تثبيت ما بعده أكثر تعقيدًا من الوصول إليه. عندها تتحول التلة من تفصيل تكتيكي إلى فخ استراتيجي؛ لأن الفشل في المكان الصغير قادر على التشكيك في صورة الانتصار الكبير، ولأن الجغرافيا حين ترفض الخضوع تستطيع أن تستهلك سياسيًا ما راكمته القوة عسكريًا.
هكذا يلتقي مضيق هرمز بـ«مضيق علي الطاهر» رغم المسافة الهائلة بينهما: الأول يخنق حركة النظام الدولي عند بوابة بحرية، والثاني يختبر حدود القوة الإسرائيلية عند بوابة جبلية. وفي الحالتين تبدو القوة أكبر من المساحة، لكنها أقل قدرة من الجغرافيا على فرض النهاية التي تريدها. وربما هذه هي المفارقة الأكثر دلالة في زمننا: الإمبراطوريات لا تتعثر دائمًا في القارات، والجيوش لا تُستنزف دائمًا في الصحارى والمدن الكبرى؛ أحيانًا يكفي مضيق بحري، وأحيانًا تكفي تلة، كي تضيق على القوة كل خرائطها. وبين هرمز وعلي الطاهر، يبدو العالم كأنه يدخل زمنًا جديدًا لا تنتصر فيه بالضرورة القوة التي تملك المجال الأوسع، بل تلك التي تستطيع الصمود عند أضيق نقطة في الجغرافيا وأشدّها اختناقًا بالسياسة.
عباس المعلم - كاتب سياسي