سلسلة مقالات حزب الله ما بعد الحرب «الطائف كاملًا أو عقد اجتماعي جديد»
مقالات
سلسلة مقالات حزب الله ما بعد الحرب «الطائف كاملًا أو عقد اجتماعي جديد»
حسن علي طه
28 آب 2026 , 12:22 م

كتب : حسن علي طه

جهد الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، في انتخابات بلدية بيروت العام الفائت، من أجل تحقيق المناصفة الطائفية في مجلس بلدية بيروت. وباعتراف الجميع، كان لهما الفضل في تمثيل جميع الطوائف في المجلس حينها.

وهذا المثال ليس سوى نقطة في بحر التنازلات التي دأب عليها حزب الله. ومن ينسى يوم تنازل الحزب عن مقعد وزاري شيعي لصالح فيصل كرامي، في سابقة مُثّل فيها السنّة في تلك الحكومة بسبعة وزراء، فيما مُثّل الشيعة بخمسة فقط؟

منذ ما بعد تحرير العام ٢٠٠٠، دأب الحزب على التعاطي مع الشؤون الداخلية بكثير من التواضع، بداية من ملف عملاء إسرائيل الذين، وبفضل سياسة المسامحة، أصبحوا «مبعدين» بحسب توصيف البطريرك الراعي.

وسمحت هذه السياسة بتمرير الكثير، وصولًا إلى إقرار القرار ١٥٥٩ الذي تباهى به أعداء المقاومة.

ثم أتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما تلاه من تحقيقات دولية تكللت بالمحكمة الدولية، وبعده بأسابيع سُحب الجيش السوري من لبنان، ما أعطى فريقًا من اللبنانيين جرعة كبيرة من الأوكسجين السياسي، وصولًا إلى حرب تموز وما جرى خلالها من تآمر على المقاومة، التي كان من المقرر تصفيتها لو تحققت أهداف تلك الحرب.

استمر انقسام البلد عموديًا بين قوى الثامن والرابع عشر من آذار، واستمر معه الشحن السياسي والطائفي، حتى بلغ ذروته عندما تحمّس وليد جنبلاط وأقرّ مجلس وزراء فؤاد السنيورة، في الخامس من أيار، القرار الذي قاد إلى فتنة السابع منه، لتنتهي تلك الحقبة بما عُرف حينها بـ«اتفاق الدوحة».

وفي الدوحة أيضًا، تعفف حزب الله عن المطالبة بأي مكاسب خاصة به، واكتفى بما يرضي حليفيه، نبيه بري وميشال عون.

أفرز اتفاق الدوحة انتخاب ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية. ومع منتصف ولايته، كانت الأحداث في سوريا قد بدأت، ليتموضع سليمان تدريجيًا إلى جانب قوى الرابع عشر من آذار، معلنًا انقلابه على الفريق الآخر المتمثل بالمقاومة، ومطلقًا النار على معادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، واصفًا إياها بـ«المعادلة الخشبية».

استشعر حزب الله الخطر القادم من سوريا، ورأى في محاولة إسقاط النظام هناك محاولة لحصار قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، فكان قرار الذهاب إلى سوريا.

وخلاصة القول: على مدى ربع قرن من الزمن، سجّل حزب الله انتصارات وقلب معادلات، لكنه لم يجنِ من تلك الانتصارات مكاسب داخلية تُذكر. بل وصل به الحال إلى أن انفضّ من حوله بعض من كان هو نفسه سببًا في قوتهم أو ثباتهم أو حتى معرفة الناس بهم؛ من أمثال سالم ووئام وحمدان، الذي كان للحزب فضل في فك حجزه على خلفية اتهامه في قضية الحريري.

اليوم، يواجه حزب الله خطرًا أقل ما يقال فيه إنه خطر وجودي.

وأصبح العداء للحزب يُقال على الشاشات وبصوت مرتفع، بعدما اعتقد الجمع أن المقاومة قد هُزمت، وأن أوان دفنها قد حان. عندها كُشفت وجوه أخفى زيفَها نصف قرن، وسقطت تحالفات، وانكشفت مواقع ومواقف.

وبعيدًا عن نتائج الحرب وما ستؤول إليه الأمور، فإن مؤشرات توازن القوى الإقليمية بدأت تصبح أكثر وضوحًا، والأيام المقبلة كفيلة بكشف المزيد.

أمام هذا السرد، يصبح السؤال: كيف ستكون سياسة حزب الله الداخلية بعد الحرب؟

فإذا كان الجواب في موضوع فلسطين أنها قضية العرب والمسلمين، وإذا كان الجواب في موضوع السلاح أن الدفاع عن لبنان مسؤولية جميع اللبنانيين، فماذا عن العقد الاجتماعي؟ ماذا عن اتفاق الطائف الذي بقي، منذ إقراره، اسمًا أكثر منه تطبيقًا كاملًا؟

هنا، يجب أن يكون أول المطالب الداخلية: الطائف كاملًا، بكل بنوده ومندرجاته.

فإن كان الحزب قد غضّ الطرف لعقود عن المطالبة بتطبيق الطائف كاملًا، لأن أولوية المقاومة كانت في مكان آخر، ولأنه لم يكن يريد فتح باب الاشتباك الداخلي، فإن الأمور اليوم انقلبت رأسًا على عقب.

لا سيما أن في لبنان فريقًا أمعن في عدائه للمقاومة وناسها، وفي حقده عليهم إلى حد التخلي عن أبسط الاعتبارات الإنسانية؛ يطلب من العدو قتل أبناء بلده، ويلاحق وجع نزوحهم وألم خسارة أرزاقهم، ويشمت بهم، ويلعب على جراحهم، ويتمنى ترحيلهم. وليس ما نُقل عن جوزاف عون، بأن الشيعة لا يمكن العيش معهم، إلا غيضًا من فيض هذا الحقد والكراهية.

هنا، يصبح التسامح خيانة، والتواضع غدرًا.

وما كان مقبولًا في السابق من سياسات وتنازلات تحت عنوان التوازن والعيش المشترك، يصبح اليوم مرفوضًا بالكامل. وأيّ من يريد الاستمرار في السياسة نفسها سيضع تمثيله أمام امتحان حقيقي، وسيواجه جمهورًا يرى في ذلك خيانة لدماء شهداء المقاومة، لا حكمة سياسية، ويعتبر أن سياسة الخبل لن تحفظ موقعًا أفسدته الحسابات والتنازلات.

من هنا، يصبح تطبيق اتفاق الطائف، بكل بنوده ومن دون انتقائية، أولوية.

وأولى هذه البنود: إلغاء الطائفية السياسية بالكامل.

وحينها سيسقط كثير من القوى المنتفخة هواءً، والتي بنت أحجامها على نظام طائفي ثم صدّقت أنها تمثل أحجامًا شعبية حقيقية.

فليكن رئيس الجمهورية من طائفة الأرمن الكريمة، وليكن رئيس مجلس النواب من الأقليات أو من الكلدان أو الآشوريين.

فلتسقط شعارات النفاق والدجل.

إما الطائف كاملًا، وإما لا طائف.

وإذا كان المطلوب الإبقاء على المحاصصة الطائفية، وعلى توزيع المواقع والسلطات وفق الانتماء الطائفي، فحينها يصبح من حق الجميع المطالبة بعقد اجتماعي جديد يراعي صحة التمثيل، ويجعل لكل طائفة نوابًا على قياس عددها وحجمها الحقيقي.

فلا يجوز بعد اليوم أن يكون في البرلمان نائب يصل بـ٧٩ صوتًا، كجميل عبود، وآخر يصل بنحو ٤٩ ألف صوت، كمحمد رعد.

أي، بلغة الأرقام، أن يساوي نائب واحد في حجم أصواته مئات النواب من النموذج الأول.

لا يمكن أن نطلب المساواة في الواجبات، ثم نقبل بهذا الاختلال في الحقوق والتمثيل.

عندها، لن تلزم المقاومة تحالفات مصطنعة، ولا حلفاء صنعت أحجامهم ثم انقلبوا عليها، بل يكفيها جمهورها الذي آمن بها، من مختلف الطوائف والمناطق.

جمهور يستحق أن تكون المقاومة، بعد كل ما قدّمته، مقاومةً من أجل بناء وطن أيضًا؛ وطن لا تكون فيه كرامة أبنائه تفصيلًا، ولا تمثيلهم مِنّةً من أحد، ولا دماؤهم وقودًا لحماية نظام سياسي يرفض أن يعاملهم شركاء كاملي الحقوق.

فالمرحلة المقبلة لا تحتمل أنصاف الحلول:

إما الطائف كاملًا كما أُقرّ، لا كما انتُقي منه،

وإما عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف الشراكة والتمثيل والحقوق والواجبات.

الأكثر قراءة هرطقات ومتاهات الحمل الكاذب.
هرطقات ومتاهات الحمل الكاذب.
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً